حتى اليوم ، و بالأمس ، وغداً ما زالت " غزة " تكره " أل التعريف " ، ترفض أن تضعهُ على رأسها ، ولو تدخلَ مجلس القضاء أو حتى رئيس المحكمة العليا ، فـ غزة حرة تعشق الحرية .. ما زالت كـ عادتها ، تستيقظُ كل صباح ، تطلُ على البحر ، تلعب بظفائراها ، تتثاءب على الشرفةِ ، بيهة الطلة .. كـ عادتها تحب قوس قزح ، و تكره اللون الواحد ، تسمع لحناً واحداً ، كان يدعى فلسطين ، في لحظاتٍ ، تناثرت نوتة الوطن ، وباتَ اللحنُ حزين ، لحنٌ بطعم الانقسام .
لا تروادني رغبةٌ دائمة في وصفِ جولتي مع كلّ كتابٍ ، و التعبيرِ عنها ، فليس كلُ ما أقرأ يثيرني و يؤثر بي ، أو يدعوني إلى تحريكِ قلمي احتراماً له واصفاً جمالهُ ، أما في حالةِ هذا الكتاب ، بل العاصفة ، لا أرغبُ فقط في تسطير بعضٍ من جمل أحكي فيها ملخصاً أو روايةً عنه ، بل إنّ الرغبةَ كانت تعتليني أن أقتبسَ كل سطرٍ منهُ و جملة ، و أضعها هنا ، لما كانت تعصفُ بجسدي ، و تهزهُ بألم . . هو الحديثُ عن الوطن ، عن تمزقهِ ، و تفرقهِ ، عن الانقسامِ ، عن دولتينِ ، بشعبينِ ، على أرضينِ ، بحكومتينِ ، منفصلتينِ ، عدوتين ، لبعضهما ، قبل عدائهما للاحتلال .
عما قال وسيم رفيدي في تقديمِ الكتاب : عن الدجل و النفاقِ السياسي للسلطتين ، و التقاتلِ على كرسيّ هو في الحقيقة كرسيٌ مرسومٌ على ورق ، و لا يعادلُ ثمنَ الورقِ المرسوم عليه ، كـ صلاحية و سيادة وقرار مستقل ، فعلام يتقاتلون إذن ؟!
عايشنا الانقسام و ما زلنا ، بأشكالهِ و ألوانهِ و مسرحياتهِ الهزلية ، و غيرنا عايشهُ بالدم و الجرحِ و الخسارة ، عن نفسي أتألمُ كثيراً لكوني أنفصل معنوياً و وجدانياً عن وطني هناك ، و أهلي هناك ، و كلّ شئ هناك ، لم يكن انفصالاً بسبب الاحتلال ، بل كان انفصالاً أشدُ حرقة و حرقا ، لكن لم أعي كارثةَ الانقسامِ و الانفصالِ و التفرقِ و التشتتِ وأياً كان اسمها ، كما وعيتها و أنا اتنقلُ بين سطورِ كتابٍ هزليً ، يدقُ في عصبي و قلبي مع كلّ فقرةً يسخرُ فيها من واقع ، و يحرقني فيها و هو لا يدري.
غزة على موعدٍ مع التخلف ، وطنٌ أم مبغى ، جمهورية زفتة ، وطنٌ خارج التغطية ، الشعبُ يريد اسقاط الانقسام ، و غيرها من عنواين مقالاتٍ كثيرة ، أبدعَ من خلالها الكاتب في سخريتهِ من الحدث ، و حقدهِ على الحدث ، و كرههِ لصانع الحدث .
هو قال التالي : يا معشرَ القارئين ، قد ينقصكم كثيراً من تمرد ،و قليلاً من إرادة ، فمن عايشَ منكمُ الانقسام ، وضاقَ به ذرعاً فليخرج إلى الشارع ، و من لم يستطع فليكتب بياناً من باب العتب ، و من لم يستطع فليلعن من كان السبب ، و ذلك أضعف الايمان !!
الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات الساخرة التي تتناول الأوضاع الفلسطينية الراهنة بأسلوب هزلي.
استمتعت بالقراءة لهذا الكاتب الغزي مع تحفظي على بعض الإيحاءات والألفاظ الخارجة.
كانت غالبية النصوص تناقش قضية الانقسام الفلسطيني وفكرة الشعبين والحكومتين والدولتين بين غزة والضفة الغربية.
أثناء قراءتي ، لاحظت التشابه بين أسلوبه وأسلوب الكاتب الكبير محمد الماغوط والشاعر مظفر النواب وأحمد مطر من حيث السخرية اللاذعة في نقد أوضاع البلد المتردية بسبب الحكام الذين لا ينظرون لمصلحة الوطن والمواطن بل لمصالحهم الشخصية والحزبية.
كتاب جيد ، استمتعت بقراءته مع تمنياتي للكاتب الغزي بالتوفيق في كتاباته القادمة وخاصة أن هذا الكتاب هو كتابه الأول.