أبو الفرج علي بن الحسين الأموي القرشي الأصفهاني يرجع نسبه لبني أمية (284هـ/897م - 14 ذو الحجة 356 هـ/20 نوفمبر 967م) من أدباء العرب، صاحب كتاب الأغاني، وجده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ وهو أصفهاني المولد بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها ومصنفيها، وروى عن كثير من العلماء، وكان عالِماً بأيام الناس والأنساب والسير، وله أشعار كثيرة. أخذ العلم عن علماء بغداد والكوفة وأهم علمائه أبي بكر بن دريد ومنهم أبي بكر بن الأنباري ومحمد بن عبد الله الحضرمي والحسين بن عمر بن أبي الأحوص الثقفي وعلي بن العباس المقانعي والفضل بن الحباب الجمحي وعلي بن سليمان الأخفش ونفطويه ومحمد بن جعفر القتات وغيرهم.
يعتبر كتاب "الديارات" الكتاب السادس لأبي الفرج الأصبهاني، وكان المخطوط الأصلي - ولا يزال - مفقوداً، حيث أن هذا الكتاب من تحقيق جليل العطية بالإعتماد على مصادر أخرى كثيرة نقلت عن الكتاب الأصلي. يعتبر هذا العمل مصدراً رائعاً في التاريخ والشعر والاجتماع ومعرفة أحوال المنطقة في العصر العباسي وعصور ما قبل الإسلام فضلاً عن بعض الأخبار المتعلقة بفترة دخول المسلمين للعراق والحيرة بالتحديد.
يتكلم الكتاب عن 53 من أديرة العراق والشام والجزيرة واليمن. ويلاحظ في الكتاب علاقة الشعراء والخلفاء من المسلمين بالأديرة – التي كانت تقام في بساتين عامرة ومنعزلة عن المدن. في الغالب، نلاحظ أن هذه الأديرة كانت محاطة بحانات للشراب ولهذا السبب كان يؤمها الشعراء والخلفاء بهدف السكر وبذلك تطور أدب خاص يعرف بأدب الأديرة. يضم الكتاب الكثير من الأبيات الجميلة التي تصف جمال الأديرة وطيب مواضعها بالإضافة لوصف جمال الراهبات والغلمان في الأديرة. لا يغيب عن الكتاب الأدب المثلي مع كثرة الشعر الذي قاله شعراء في غلمان يعشقونهم. يغلب على الكتاب وصف قصير لمواضع الأديرة والأحداث التاريخية المرتبطة بها، فضلاً عن مرّ بها من الشعراء والخلفاء وما دار بالقرب منها من معارك وما كتب على جدرانها بقلم عشاق أو حيارى أو سكارى مروا بالقرب منها. هناك أديرة دمرت على يد خليفة غاضب وأخرى تم إكرامها وإعفاؤها من الخراج بسبب جمال إبنة أحد القسس فيها، وأخرى أصبحت موضعاً لدفن أحدهم كما هو حال الخليفة عمر بن عبد العزيز ودير سمعان. يمكن أن نستنتج أن الأديرة في تلك الفترة كانت بمثابة خانات يمر بها المسافرون، ومواضع لهو وإستجمام يمر بها الشبان في الكوفة والموصل وبغداد. ربما كانت الأديرة توفر مناخاً من الحرية وسط التعسف الاجتماعي الذي يحكم المدن في العصر الإسلامي. في الوقت ذاته، نلاحظ إكثار الخلفاء من الشراب، مع قلة منهم يمتنعون عن الشراب في أيام محددة من الإسبوع، لكنهم في الغالب يشربون حتى الثمالة. كما نلاحظ نشاط أديرة النجف وتكريت وواسط والأنبار حتى أواخر العصر العباسي.
سعيدةٌ جدًا باكتشافي (ولو أنه جاء متأخرًا) لهذا الأدب الرقيق الجميل، أدبٌ جعلني أدركُ أن الشعر العربيّ لم يكن أدب هجاء ومديح وفخر وغزل فقط.. بل تعدّاه، لشعرٍ ينقل لنا الحياة بكل مناحيها بوصف رقيق ولفظ رشيق.. لم أقرأ الكتاب دفعة واحدة، ومازلت للآن أقرأ أجزاء منه في كلّ مرة .. ولكن يكفيني ما قرأت لأبديَ هذا الرأي المتواضع فيه..