عن ثومة الفتاة الريفية المصرية التي خرجت من الريف لتصبح سيدة الغناء العربي.
لم أقابل إلى الآن إلّا القليل من الكتب التي أوصلتني إلى أقصى درجات الانتشاء وأنا أقرأها، هذا الكتاب إحداها.. ربما لم يكن الكتاب هو السبب المباشر في هذا، لكن عندما تقرأ عن أم كلثوم ثم تتوقف عن القراءة لسماع أحد الألحان التي ذكرت في الكتاب بعد أن تعرفت على الملحن والشاعر وظروف كتابة اللحن أو القصيدة، وبعد أن تنتهي تبدأ في القراءة مرة أخرى ولا يقطع قراءتك سوى سماع أحد الألحان، كل هذا كان كافي لسحبي من هذا العالم كليًا وإعادتي بالزمن إلى أحد الأيام في حياة أم كلثوم وبالتحديد يوم الخميس الأول من الشهر وأنا جالس في المقهى في انتظار الوصلة الأولى.. واتفاجئ بها تغني أغنيتها الجديدة وهي تشدو وتسكرنا كما العادة، فشارب الخمر يصحو بعد سكرته ** ومستمعِ ثومة طول الحفلِ سكران.
أكثر ما أعجبني في هذا الكتاب تنوعه وشموله، ففي فصله الأول سيرة ذاتية عنها وعن وطفولتها. ثم ينتقل بالحديث لأمتع وأجمل أجزاء الكتاب وهو الخاص بالحديث عن ملحنين أم كلثوم: القصبجي، وزكريا أحمد، والسنباطي، وبليغ، والموجي، وكمال الطويل، وعبد الوهاب، وسيد مكاوي وأغنتيته الوحيدة لها: يامسهرني.. تتحدث عن كل ملحن وقصته وتحليل ألحانه وما تميز فيه الملحن، تخوض في كل هذا بشكل رائع.
والفصل الثالث عن علاقتها بالشعر والشعراء، بداية من بيرم، ولقاءها مع شوقي، وما قالت عن على الجارم وإبراهين ناجي، وعلاقتها الوطيدة بأحمد رامي، ولقاءها مع مأمون الشناوي.
والفصل الرابع يتحدث عن أسلوبها في الغناء، وتحليل صوتها، وما مرت به طبقات صوتها مع السن وبعد المرض بالغدة الدرقية. والخامس عن القوالب الغنائية التي غنت منها، وهي: الدور، القصيدة، والطقطوقة، والمونولوج.. ومن لحن لها في هذه الأنواع ومن تميز في كل نوع من الملحنين.. وتتحدث عن أم كلثوم وتجاربها السينمائية، والتقدير والأوسمة والنياشين التي حصلت عليها.
ويأتي الفصل الأخير ليختم هذا الكتاب بالحديث عن الشهور الأخيرة في حياتها الفنية، وزواجات أم كلثوم، وقصص وحواديت وبعض المشاهد من حياة أم كلثوم. وفي النهاية بعض أقوالها المأثور، ومن تحدثوا عنها.
ربما يجب عليّ أن أغض عيني عن التكرار القليل الذي واجهته في الكتاب، يكفيني ما مررت به من متعة وجمال في حضرته، ومعلوماته الكثيرة عن حياة أم كلثوم الفنية والشخصية.
لكني أعيب عليه حين أعادني إلى الماضي بأنه لم يضعني في الصفوف الأولى في حفلات أم كلثوم بل جعلني مستمع جالس على مقهى.. لكن لا بأس.. لا بأس.