في أول خمس صفحات منحت الكتاب خمس نجمات بلا تردد.. و مهما كان المكتوب في بقية الصفحات المائتين و خمسين فلم أكن لأغير تقييمي هذا!
الكتاب يحتوي على عدة قصص قصيرة بالإضاة إلى بعض المقالات.. أعتقد أنني قرأتها عندما قررت جريدة الأخبار في التسعينات إعادة نشر العمود اليومي للكاتب الراحل..
لا أقول أن الأستاذ زكي كاتب قصصي رائع.. لكنه يتخذ من الشكل القصصي وسيلة لعرض أفكاره و فلسفته في الحياة.. الشكل القصصي هنا مجرد إطار و ليس هدف في حد ذاته.. لكنما برع فيه بالفعل هو استخدامه للمونولوج و الديالوج بالشكل الإنساني الحقيقي.. الشكل الذي يدور داخل عقل أي شخص فينا عندما يحاول الوصول إلى قرار.. عندما تتنازعه الأهواء..
الفكرة الرئيسية في فلسفة الكاتب هى التغيير.. أن الحياة تغير دائم... لا شئ يظل للأبد.. يتأرجح الإنسان بين كل المتناقضات... الخير و الشر.. الفضيلة و الرذيلة.. الحب و الكره.. العقل و القلب... العاطفة و الجسد.. الإيمان و الجحود.. النعمة و النقمة..
جميع الشخصيات تجدها تدخل في صراع نفسي داخلي تتأرجح من خلاله بين كل تلك المتناقضات.. بل أحيانا تجد الشخصية تبدأ من طرف ما و تنتهي للطرف النقيض تماما..
فالزوجة التي تلوم زوجها على عدم اهتمامه بها مما جعلها تستمع لرجل آخر تجدها تلوم نفسها لاحقا و تشعر أنها مخطئة أنها منحت الفرصة أصلا لزوجها للابتعاد.. بدأت من لوم الآخرين و الإيمان ببرائتها و انتهت بإدانة نفسها..
الحبيب الذي يتخذ من كل علاقة مجرد وسيلة للشهوة يتحول إلى شخص نادم يحاول أن يجد التوبة على يد نفس الفتاة التي أراد أن يغرر بها..
الرجل الناجح ذو المركز المرموق و العائلة السعيدة يعاني من ازمة نفسية لفهم معنى الحياة كلما كان وحيدا.. لكنه يكتشف هذا المعنى عندما يتواجد مع الناس ليعرف أن السعادة الحقيقية في أن تكون يد مساعدة للآخرين..
جميع الشخصيات تسير على هذا المنوال.. تتأرجح بين الخير و الشر.. تسقط أحيانا و لكنها تتسامى أحيانا أخرى.. وهذه هى حقيقة الإنسان.. هذا شيء أشعر بالارتباط به.. هذا شيء أجده في الحياة بأكملها .. في أي شخص مهما كانت أفكاره.. فالإنسان أكثر تعقيدا من أن يكون ذو جانب واحد.. إما طيبا و إما شريرا.. بل أنه قد يظهر كلا الجانبين في نفس اليوم تبعا للظروف المختلفة..
لكن اختلف مع الأستاذ زكي في أنه يرى أن الأصل في الإنسان هو الخير .. و كل ما حوله هو نزاع لهزيمة هذا الأصل في داخله.. في رأيي اعتقد أن الأصل هو الشر.. و الدليل على ذلك وجود الأديان.. فلو كان الأصل هو الخير و الإنسان في جوهره خير فلم يكن هناك أي مبرر لهبوط الكتب السماوية لتهذيب الإنسان.. على أي حال هذا اعتراض هامشي و اختلاف في الأفكار لا يمنعني من الإعجاب بالكتاب..
العيب الوحيد هو التكرار قليلا.. فبعض المقالات تحدثت في نفس الأفكار.. و بعض القصص كانت متشابهة أيضا في عرض فلسفتها.. لكن أيضا هذا شيء لم يكدرني و لم يمنعني من الاستمتاع بهذا الفكر أكثر من مرة..
كتاب رائع أزال من حلقي مرارة آخر كتاب قرأته!