أودُّ الاعتراف بدايةً وقبل كلِّ شيء برأيي في الرواية بعد الولوج في فصولها الأولى وقبل الانتصافِ فيها ، إذ كنتُ - وهذا ما أظنُّه - قد حكمتُ حكمًا ظالمًا مبالغًا فيه بعض الشيء ، وهذا لأنَّك بعد الشُّروع في أولها تكاد تتقيَّؤ مُخرجًا كلَّ ما احتوته أحشاؤك لسنواتٍ إثرَ كميَّة القرف والمُجون المقزّز الذي تنضحُ به صفحاتُ الكتاب ، فكنتُ أسألُ نفسي : ما السرُّ الذي يدفع الكاتب لتقديم مادةٍ كهذه للقرَّاء ؟! وخصَصْتُ بسؤالي الكُتّاب السعوديّين ، لكنّني تغاضيتُ مسألة التبرير الشائع الذي ملَّتْ آذانُنا من سماعه ، والذي يُرجعُ السبب إلى الانغلاق ، الذي غالبًا ما تصدحُ فئةٌ من الناس بكلِّ قوّتها مُحيلةً السبب في ذلك الانغلاق إلى الدين .. ! وبعد تجاوزنا لهذا التبرير ، أرى أنَّه من الصّعب إيجاد إجابةٍ للسؤال ، فمن مسألة طبيعة القرّاء ، إلى تجارة المادة المكتوبة من قبَل دور النشر ، وانتهاءً بمَن يقول أنَّه غزوٌ فكري .. ! يصعبُ إيجاد المبرر - ولا أسعى إلى إيجاده أصلًا - لكنّني هنا لستُ بصدد كتابةِ دراسةٍ عن طبيعة انتشار أعمالٍ كهذه في الوسط السعودي سواءً مِن جهة الكتّاب أو القرّاء ، بل مجرَّدُ لفتِ نظر .
* ملاحظة : في الفقرة السابقة إشارةٌ إلى شيءٍ في الكتاب ، لا أودُّ الإشارة إليه مباشرةً ، بناءً على مبدأ (( أظهر ولا تخبر )) .
بعد الإدلاء بشهادةٍ طويلة أُقرُّ فيها بغلطي في حُكميَ المُسبق على الكتاب ، أتمنّى أن أوفيه حقَّه بقليلٍ من الشرح الآن : الكتاب باختصار يحكي العَرَقَ الذي يمتزجُ بقساوة هذه الدنيا على مَن وجدوا أنفسهم في هذه الحياة مُجرَّد تجارب لا يُعلم منتهاها ومآلها ، ففي أقصى جنوب الرياض جهة الغرب تدور أحداثُ الرواية ، حيثُ لا وجود للإنسان بما تعنيه الكلمة ماديًّا من مقّوماتٍ وحياةٍ كريمة ، بغض النظر عن سبب هذا ، فهناك من يُرجعه إلى انتشار العمالة الوافدة من إفريقيا ، المتسمّرة هناك ، دون عملٍ ولا أمل ، وهناك من يُرجعه إلى ( الإهمال ) ، لا علينا ، نتجاوز هذه النقطة . الرواية وحتّى ثُلثها الثاني تتمحور حول الشهوات والنزوات ، لكن في ثُلثها الثالث - وهذا ما غيّر نظرتي تجاهها - تراها تحملُ فكرةً تحتملُ التفكير والتساؤل ، إذ يبدأ أحد الأبطال بدخول عالَم ( الإرهاب ) - إذا شئنا تسميَته - بانضمامه لجماعةٍ سلفيَّةٍ جهادية ، هذه فكرة ، وهناك فكرةٌ أخرى أراها جديرةً بالاحترام ، وهي القَسْر ، والقَهْر ، أقصد ما تدفعنا الحاجةُ إلى الرضا به ، وهنا حدّث ولا حرج ، لكن ثار في خلَدي سؤالٌ أثناء هذا : لماذا كلُّ الحاجات تنطلقُ من المال ؟ - ولا أبحثُ عن إجابة - .
لغةُ الكاتب لا شكَّ أنَّها متمكّنة ، وبناء الشخصيّات كذلك مُتقن ، إلا من بعض التناقضات القليلة التي لمحتها ، كانحناءاتٍ لا منطقية في تفكير الشخصيّات ونظرتها ، كما أنَّ الفصول لا تجدُهما مترابطةً إلى حدٍّ كبير ، إذْ أنَّ كلَّ فصلٍ أرى لو أنّه تُركَ مُنفردًا لوعاه القارئ وفهمَ شخصيَّاته دون الحاجة إلى الرجوع في النص ، وهذا شيءٌ جميل . رغمَ أنَّ الطبعة الأولى للرواية كانت في ٢٠٠٦ م إلَّا أنني أرى بها شيئًا من واقعنا خصوصًا جزء الجماعات المتطرّفة .
كم من الألم قد يتحمّل الإنسان ؟! وما الحدُّ الذي يجب أن تبلغه تراكمات العَوَز والحاجة في الدنيا حتّى تفيضَ مُطلقةً لنفسها العنان ، تاركةً أهلها يعيشون بسلامٍ لفترةٍ قصيرة ، قبل أن تنسلَّ الروح ؟! وكم من التنازلات يُمكنُ أن يقدَّمَ المرء حتَّى يعيش ؟! لا شكَّ أنَّ أجوبةٍ لأسئلةٍ كهذه لا حقيقة لها ، لذلك نمضي فوقَ هذا كلّه متجاهلين ، لا شيء يؤرقنا غير همِّ البقاء .