عمل رائع للغاية وهو ثان كتاب أقرأه للكاتب بعد عمله الأشهر : (التجليات الروحية في الإسلام) ، استمتعت بالجزء الثاني من الكتاب حيث الحديث عن التصوف من وجهة نظر إسلامية (وهو القريب إلى قراءاتي) وإن كانت المقارنات بالأديان الأخرى مثيرة للإهتمام أيضًا …
مقتطفات: ===== وها هو الإمام أبو حامد الغزالي، وهو حجة الإسلام ومن أبرز العلماء المسلمين السنيين بلا نقاش، يمايز بين أربع درجات أو رُتبٍ، كما يقول ، من التوحيد،حيث يقول: فالرُتبة الأولى من التوحيد: هي أن يقول الإنسان بلسانه "لا إله إلا الله" ، وقلبه غافل عنه، أو منِكر له،كتوحيد المنافقين. والثانية: أن يُصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما صدق به عموم المسلمين ، وهو اعتقاد العوام. والثالثة: أن يُشاهد ذلك بطريق الكَشْف، بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار. والرابعة: أن لايرى في الوجود إلا واحداً، وهى مشاهدة الصِدِّيقين، وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد، لأنه من حيث لايرى إلا واحداً، فلا يرى نفسه أيضاً. وإذا لم يرَ نفسه لكونه مستغرقًا بالتوحيد ،كان فانيًا عن نفسه في توحيده، بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه والخلق.
— إحياء علوم الدين ، أبو حامد الغزالي
أما من الناحية التاريخية فيمكننا وصف التصوف الإسلامي بأنه ظاهرة تاريخية عامة ومهمة في التاريخ الإسلامي كله، بل هو من أهم وأبرز تجلياته، بلا شك. والواقع إن التصوف الإسلامي يمثل حركة تاريخية واسعة ممتدة عبر القرون أنتجت إنتاجاً دينياً وثقافياً وفنياً متميزاً في جملة الحضارة الإسلامية ؛ وهذا واقع لا أحد يمكنه إنكاره. فقد بدأت هذه الحركة الروحية في القرن الأول الهجري مع حركة العباد والزهاد الأوائل من أمثال الحسن البصري (ت ١١٠هـ/٧٢٨م) وغيره. ثم نمت وتطورت تلك الحركة الروحية في القرنين الثاني والثالث الهجريين مع التعمق في خبرة الحب الإلهي من أمثال رابعة العدوية البصرية (ت١٨٥هـ/٨٠١م) ، وفي فكرة الفناء والبقاء من أمثال الجنيد (ت٢٩٨هـ/٩١٠م) وغيرها من التبصرات الروحية. بعد ذلك دخلت الخبرة الصوفية في إشكالية الوحدة مع الله، عند متصوفة من أمثال الحسين بن منصور الحلاج (ت ٣٠٩هـ/٩٢٢م). فأدت هذه الحركة الروحية آخر الأمر إلى مأساة الحلاج ، التي تمثل في التاريخ الإسلامي مظهراً من مظاهر التوتر بل التصادم بين عالم الفقراء (المتصوفة) وعالم الفقهاء (المتكلمين). وإثر ذلك اتجهت هذه الحركة الروحية اتجاهين: فهناك اتجاه عُرف بالتصوف السني في القرنين الرابع والخامس الهجريين وفيما بعد، حيث اجتهد أصحابه، من أمثال الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ/١١١١م) وغيره، في إيجاد صيغة توافق مقنع بين الخبرة الصوفية الباطنة وظاهر الشريعة الإسلامية. فقد أنتج هذا الاتجاه الصوفي السني المصنفات الصوفية العظيمة المعروفة في التراث الصوفي ، من أمثال "الرسالة القشيرية” للإمام أبي القاسم عبد الكريم القشيري (ت ٤٦٥هـ/١٠٧٢م) و "إحياء علوم الدين" للإمام أبي حامد محمد الغزالي الذي يمثل قمة التصوف السني. وإلى جانب هذا الاتجاه السني نجد اتجاهاً آخر توغل في مجالات أكثر نظرية وفلسفية، خاصةً عند أصحاب المدرسة المسماة ب "وحدة الوجود" فيما بين القرنين السادس والسابع الهجريين فصاعداً ، عند صوفية من أمثال الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي ( ت ٦٣٨هـ/ ١٢٤٠م) وغيره. فقد اجتهد أصحاب هذه المدرسة في إيجاد صيغة توافق بين التصوف وبين ما يسمونه "باطن الشرع" ، أي معناه العميق ومقصده الأعلى. فهذا الاتجاه الصوفي أيضاً أنتج مصنفات صوفية عظيمة متشبعة بنظريات فلسفية رائعة عميقة مبدعة، تُعتبر من أهم تجليات الفكر الإسلامي عبر القرون.
عن طريق ترشيح هاتفي من قبل أحد الزملاء الصحافيين بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته للعام 2018 جاءني هذا الكتاب، كنت أملك الكثير من الشغف حول ما يثيره الكتاب من قضايا، لكنه خاب ظني في كثير المواضع التي تعرض لها الكتاب وتأكدت فعلا أنها كانت مجرد تأملات، ليس أكثر. الكتاب بين أيدينا يتعرض لمحاولة وجود فرص للمقاربات الدينية بين الأديان السماوية وبخاصة المسيحية والإسلام عن طريق بعض أوجه تشابه بين متصوفة المسلمين أمثال ابن عربي والمصري عمر ابن الفارض ومتصوفة مسيحيين أمثال أوريجانس مع دراسة في آخر الكتاب لدراسة أشعار ابن الفارض بما كان يشكل نوعا من الإرهاق لدى القارئ الذي لا يملك الصبر الكافي للسباحة في النصوص الصوفية ودلالتها. الكتاب أيضا يسرد تاريخ "اللوجوس:الكلمة" ومستويات قراءة النص الديني عند المتصوفة المسلمين وكيف كانت تتسم بالرحابة بما يدفع به الكاتب الإيطالي شبهة وجود أصول نصية في الإسلام للتطرف والإرهاب والتشدد الغير مبرر بين بعض المسلمين اليوم. الكتاب يحاول نقد وتحليل هرمنيوطيقا النص: تفسير النص، وآليات الفهم ومحاولة تميهد أرضية للحوار بين الأديان بما يقضي على التطرف والإرهاب وهو منطلق الكاتب لنشر هذا الكتاب وما عول عليه خلال عرضه، الذي يضيق تارة ويتسع أخرى.