رتب المؤلف هذا الكتاب على الأبواب فقسَّمه إلى أربعة أقسام بيانها كالتالي: القسم الأول: منها خصه بالكلام على فضل الفقه والتفقه . والقسم الثاني: تناول فيه مباحث أصول الفقه. والقسم الثالث: تناول فيه النظر والجدل على الأسس والقواعد الصحيحة وأما القسم الرابع والأخير: فقد ذكر فيه مبحث التقليد والاجتهاد، ومبحث أهمية وجود العلماء والفقهاء وختمه بنصيحة لأهل الحديث خاصة ولغيرهم ع هذا وقد بلغت نصوص الكتاب (1215) نصًّا مسندًا منها المرفوع وغير المرفوع
عنوان الكتاب: الفقيه والمتفقه المؤلف: أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي أبو بكر. المحقق: عادل بن يوسف العزازي الناشر: دار ابن الجوزي سنة النشر: ١٤٣٠هـ عدد الصفحات: ٨٢٢ص صنف الخطيب هذا الكتاب نصيحة لطائفتين، لأهل الحديث ، ولأهل الرأي . ذلك أن اكثر كتبة الحديث في زمانه ابتعدوا عن معرفة فقه ما كتبوه وفهم معنى ما دونوه، ومنعوا أنفسهم عن محاضرة الفقهاء، وذموا مستعملي القياس من العلماء، وذلك لما سمعوه من الأحاديث التي تعلق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه والتحذير منه، فلم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه ، بل سبق إلى نفوسهم أنه محظور على عمومه، ثم قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم، وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم، فنقضوا بذلك ما أحلوه، واستحلوا ما حرموه . وحُق لمن كانت حاله هذه أن يُطلَق فيه القول الفظيع، ويشنع عليه بضروب التشنيع، فهذا طعن أهل الرأي والمتكلمين في أهل الحديث . أما أهل الرأي فجل ما يحتجون به من الأخبار واهية الأصل، ضعيفة عند العلماء بالنقل، فأظهر أهل الحديث فسادها، فشق عليهم إنكارهم إياها وهم قد جعلوها عمدتهم، واتخذوها عدتهم، وكان فيها أكثر النصرة المذاهبهم، فغير مستنكر لذلك أن يطعن أهل الرأي على أهل الحديث، وأن يرفضوا نصيحتهم؛ لأنهم قد هدموا ما شيدوه، وأبطلوا ما راموه وقصدوه. وبعد أن ذكر هذا الواقع قال الخطيب: (فقد ذكرت السبب الموجب لتنا في هذين الفريقين، وتباعد ما بين هاتين الطائفتين، ورسمت في هذا الكتاب لصاحب الحديث خاصة ، ولغيره عامة ما اقوله نصيحة مني له، وغيرة عليها . أما عن موضوعات الكتاب وترتيبها، فبالنسبة للمسائل الأصولية فقد رتبها الخطيب في كتابه هذا على الترتيب المعروف عند الأصوليين : ۱- فذكر أولا باختصار شديد أقسام الحكم الشرعي. ٢- ثم فصل القول في الأصول الأربعة : الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، ٣- وعند كلامه على الكتاب والسنة ذكر طرق الاستنباط، ودلالات الألفاظ، والناسخ والمنسوخ؛ لكونها خاصة بهما، فذكر الحقيقة والمجاز ، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ ٤_وعند كلامه على الإجماع ذكر قول الواحد من الصحابة بعد ذكره الوجوب اتباع ما عليه الصحابة من إجماع وخلاف. ٥- ثم تكلم على استصحاب الحال. ٦- ثم ذكر ترتيب استعمال الأدلة واستخراجها. ۷- ثم تكلم على الاجتهاد والتقليد والفتوى . وكان قد افتتح كتابه بالكلام على التفقه في الدين، ثم بالكلام على المسائل الأصولية على الترتيب السابق، ثم ختم الكتاب بذكر أخلاق الفقيه وآدابه . فالكتاب إذن له موضوعان رئيسان : أدب التفقه ، وأصول الفقه .
مميزات الكتاب: ١- خصص المؤلف ما يقارب ثلث الكتاب للكلام على فضل الفقه والتفقه في الدين، وأخلاق الفقيه وآدابه . ۲ - نقل المؤلف في كثير من المسائل الأصولية أقوال الإمام الشافعي واقتفى آراءه. ۳- استشهد المؤلف بالكثير من الآيات والأحاديث والآثار المروية بالإسناد عن الصحابة والتابعين والأئمة في تثبيت القواعد الأصولية ، والاحتجاج للأدلة الشرعية، وهذه المزية عزيزة الوجود في الكتب الأصولية. ٤ - ساق المؤلف بأسانيده ما استشهد به من أحاديث وآثار - في الغالب - وهذا الصنيع يُسهل مهمة التحري لمن أراد ذلك. ٥ـ حرّر المؤلف كثيرا من المسائل الأصولية وأدلي فيها برأيه، وكثيرًا ما يذكر الرأي المخالف وأدلته ويجيب عنها . ٦ـ اعتني المؤلف بالتعريفات والتقاسيم في بداية كل باب فبذلك يمكن أن يسمى كتاب «الفقيه والمتفقه» بأصول فقه المحدثين، خاصة وأن المؤلف ـ كما سبق بيانه - أراد بتأليف هذا الكتاب التقريب بين المحدثين والفقهاء، والرفع من قيمة الفقه وشأن الفقهاء، وفي الوقت نفسه الإرشاد إلى أهمية معرفة الحديث وشرف أهله.
وقد كان يحتاج كتاب « الفقيه والمتفقه» إلى عناية من الأوجه الآتية : أولا: تحقيق ودراسة الأسانيد الواردة ، للحكم على الأحاديث والآثار التي احتج بها المؤلف. ثانيًا: إبراز المسائل بعناوين واضحة ؛ فإن المؤلف يتكلم على مسائل الباب الواحد، ولا يفصل بين المسألة والأخرى بفاصل يفيد الانتهاء أو الانتقال .. ثالئا: إخراج الكتاب بطبعة جديدة، حسنة التنسيق، جميلة الصف، يعتني فيها بعلامات الترقيم، وسلامة الإملاء . أما الطبعات السابقة فإنها كثيرة الخطأ والأخطاء، سيئة التنظيم، مشوَشة العرض. رابعا: وضع فهارس متنوعة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والآثار، والأعلام وفهرس دقيق للمسائل الأصولية . الفقيه والمتفقه. وهذه الطبعة قد حققت كله هذه وجاء تقويمها للكتاب في حلة متميزة روعة في الجمال للقارئ وطالب العلم.
وقد قسم المؤلف إلى اقسام: القسم الأول من الكتاب: - بعد المقدمة ـ فقد بدأه المصنف بذكر الروايات عن النبي ، في فضل التفقه والأمر به والحث عليه، والترغيب فيه، فساق جملة من الأحاديث والآثار في ذلك،وأعقب ذلك بالكلام على تفضيل مجالس الفقه على مجالس الذكر، واستدل له بالأحاديث وبعض الآثار وغير ذلك. القسم الثاني من الكتاب : - وهو الذي تتعلق مباحثه بأصول الفقه ـ فقد استهلّه المصنف ببابين صغيرين: أولهما لبيان معنى الفقه والثاني لبيان أصول الفقه ، وأفاد أنّ أصول الفقه هو الأدلة التي يبنى عليها الفقه وهي ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، وقال: إنه سيذكر كل أصل منها على التفصيل، وكيف يترتب بعضها على بعض. وأما القياس، فسيذكر ما يجوز منه وما لا يجوز.
وأما القسم الثالث من الكتاب : فقد خصصه المؤلف لأبحاث تتعلق في النظر والجدل. فبدأ بتعريف كل من النظر والجدل، وأوضح حقيقة كل منهما، ومثل لذلك. ذكر فيه مباحث وفصولاً مفيدة، فيها ذكر ما لا بد للمتجادلين من معرفته، وأدب الجدل، وذيّل تلك الأبحاث، ببعض المسائل.
وأما القسم الرابع من الكتاب : فقد ذكر فيه أبحاثاً يتعلق بعضها بالتقليد، وبعضها في أهمية وجود الفقهاء والعلماء، ونصيحة أهل الحديث خاصة، وغيرهم عامة. فبدأ بالكلام على التقليد، وما يسوغ منه، وما لا يسوغ، فعرّف التقليد بأنه قبول القول من غير دليل. وملخص هذا البحث هو: أن الأحكام العقلية لا يجوز فيها التقليد، وأما الأحكام الشرعية، فما كان منها معلوماً من الدين بالضرورة، فلا يجوز التقليد فيه؛ لأن الناس كلهم يشتركون في إدراكه والعلم به، فلا معنى للتقليد فيه. اوما لا يُعلم منها إلا بالنظر والاستدلال، فهذا يسوغ فيه التقليد. ثم بيّن من يسوغ له التقليد، ومن لا يسوغ، وغير ذلك من مسائل الباب.
كتاب بديع وماتع وعمدة في فنه، من أهم ميزاته أنه يُسند أصول الفقه ومسائله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين، وهذا أمر شبه معدوم في كتب المتأخرين. كما أن عبارته سهلة وطريقة تصنيفه تبعث على الاهتمام بكتب المتقدمين في العلوم أولا خلافا للمتعارف عليه عند طلبة العلم