نبذة عن المؤلف: فاطمة المرنيسي, كاتبة نسوية مغربية ومفكرة اجتماعية من مواليد 1940 بمدينة فاس المغربية من أبرز المناضلات العربيات عن حقوق المرأة والدعوة إلى المساواة بين الجنسين, تمحورت كتاباتها حول المرأة في الإسلام,حائزة على جائزة أمير أستورياس للأدب 2003, توفيت فاطمة المرنيسي في نوفمبر 2015 عن عمر يناهز 75 عاما
صُدِر لها كتابها "ما وراء الحجاب" في السبعينات كأطروحة دكتوراه في مجال علم الإجتماع العائلي,ترصد فيه المؤلفة واقع المرأة ضمن بنية أسرية إسلامية من زاوية تاريخية مع مقارنتها بالوضع الاجتماعي الراهن,لتكشف عما وراء الآليات الرمزية لاحتجاب المرأة
التصورّ الإسلامي للحياة الجنسية للمرأة:
في مستهلّ كتابها تسقط المؤلفة الضوء على المفارقات القائمة بين قواعد السلوك التي يتبنّاها المجتمع الإسلامي علنيا حول الحياة الجنسية وبين الدلالات الضمنية المستخلصة من تحليل هذه السلوكات العلنيّة
ومن بين هاته التصورات السائدة "المعلن عنها" أن حياة الرجل الجنسية لها طابع فعّال بينما حياة المرأة الجنسية لها طابع سلبي_غير فعّال ,وقد برهن على هذا السياق آراء محمود العقاد في كتابه المرأة والقرآن إذ ينسب للرجل خاصية الهيمنة والقوة والغزو بينما ينسب للمرأة خاصية الخضوع للغزو الذكوري ويرى أن "الأنوثة مازوشية بطبعها لا تستشعر اللذة إلا إذا خضعت للرجل وانقادت له" تُصوّر نظرية العقاد الرجل في دور الصائد والمرأة في دور الفريسة , ويعدّ هذا التقسيم للفاعلية والسلبية بين الجنسين أقرب إلى النظرية الفرويدية التي اعتبرت الخلية المذكرة فاعلة في الاتصال الجنسي بينما البويضة عديمة الحركة واستنتج من هذا المنطلق أن العلاقة السيكولوجية هي بدورها علاقة تسلط_ورضوخ
لكن "النظرية الضمنية" في التصور الإسلامي تتخذ منحى معاكس تمامًا وتستخلصها الكاتبة من آراء الإمام الغزالي حيث الفعالية الجنسية للمرأة معترف بها على خلاف نظرية العقاد وفرويد ,وحيث للمرأة متطلبات جنسية, ولكن ما يؤخذ على هذا التصور الضمني أن الاعتراف بفعالية المرأة الجنسية يسفر عن الخوف من ناحية أخرى من دورها الجنسي الفعّال كتجسيد للفتنة والفوضى الاجتماعية, وهنا تنقلب الأدوار إذ يلعب الرجل دور الفريسة والمرأة دور الصائد من خلال الإغراء والفتنة ولها سلطة جنسية كاسحة وقد تكون مدمرة للنظام الاجتماعي , وتصبح الأنوثة هنا مرادفة للشيطنة , وتبعًا لذلك تظهر الإحتياطات الخارجية لضبط السلطة الجنسية للمرأة من خلال تحجيبها وعزلها ومراقبتها لإنقاذ (العفة) وإحلال النظام
من خلال التصوّرين السابقين تظهر لنا الإزدواجية المتناقضة في تصوّر دور المرأة جنسيا في المجتمعات الإسلامية ,فمن جهة: يصبح للرجل الدور الفعّال الأساسي في الحياة الجنسية بينما للمرأة دور سلبي أدنى هو الاستجابة فقط لمطالب الغريزة , ومن جهة أخرى: تبرهن
لنا الميكانيزمات الإجتماعية_ التي تهدف إلى ضبط النساء وعزلهن كي لا ينصرف الرجال عن واجبهم الديني والاجتماعي_تدل على العكس من ذلك أن للمرأة فعالية جنسية أقوى هي فكرة تُكبت في اللاوعي الجمعي العربي,لتعكسها لنا كل الاحتياطات لضبط المرأة
المرأة كرمز للفتنة
ولا تغفل ف.المرنيسي في هذا الصدد الاستشهاد بآراء المفكر قاسم أمين في قوله:عجبًا ..لِمَ لَم يؤمر الرجال بالتبرقع وستر وجوههم من النساء إذا خافوا الفتنة عليهن؟ هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة؟ واعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه والحكم على هواه ؟ ومنع النساء من كشف وجوههن لأعين الرجال خوفا من أن ينفلت زمام هوى الرجل عن سلطة العقل ....إن هذا اعترافا منهم بأن المرأة أكمل استعدادا من الرجل "
إن الضعف لا ينتج عن تركيبة بيولوجية كي ننسبه للأنثى , إنما الوجه العاري للضعف هو أن تتحكم الغريزة على سلطة العقل, أن تذبح إنسانيتك قربانًا في معبد غرائزك الجسدية ,... فإذا سلّمنا أن تحجيب المرأة هو لعدم تحكّم الرجل في شهوته وأن سلطة العقل ليس لها دور عند الرجل أمام انفلات شهوات الجسد فإن الرجال من هذا المنطلق هم من يشكّلون الجنس الضعيف وهم أولى بالحماية من المرأة
النظام الأسروي العربي: من الأمومي إلى الأبوي
تعمد المؤلفة في فصول أخرى إلى إجراء مقارنة بين الممارسات السائدة في البنية الأسروية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام "العصر الجاهلي", وبين ممارسات الأسرة في المجتمع الإسلامي لتخلص إلى أن البنية الأسرية قد انتقلت من حق المرأة في تقرير مصيرها "اتجاه أمومي" , إلى مبدأ سيادة الرجل"اتجاه أبوي" بعد بزوغ الإسلام ,من خلال دراسة وضعية المرأة في الأسرة خلال الفترتين "حرية المرأة الجنسية , وقانون القرابة و نظام تعدد الزوجات..الخ "
بقي النظام الأبوي راسخا في المجتمعات الإسلامية وحتى في القرن العشرين كان موقف الأوساط الإسلامية صارما بخصوص رفض المعاهدات الدولية للديمقراطية الغربية التي تتضمن أفكار ليبرالية حول العلاقة بين الجنسين باعتبارها تهديدًا لمبادئ الأسرة الإسلامية تقول ف,م في هذا الصدد:"في الوقت الذي عارض فيه الإسلام الجاهلية بشدة فإنه قد استرجعها وأدمجها كمكوّن بنيوي في النفسية الإسلامية ,التي تنطلق من رد فعل عدائي غريب تجاه العصر الصناعي..وتشكّل المرأة بمبادرتها لتقرير مصيرها مكونا رمزيا محملا بالجاهلية القديمة والحديثة أي تلك التي تبدأ مع العصر الحديث"
المشاكل الجنسية : بين التقليد والحداثة
شهدت فترة السبعينات من القرن العشرين في المغرب (تاريخ صدور الكتاب) موجة من التحرر لدى نساء عصريات "المدينة" مقابل تحفظ نساء القرى والأرياف, حيث شهدت الأوساط الريفية كل من التمييز الجنسي والفصل بين الجنسين والزواج المبكر, بينما أغلب المشاكل الجنسية في المدن تأتي على شكل صراع بين الأجيال (الآباء والأبناء) ومحاربة الحب بين الجنسين (معارضة الزواج الناتج عن الحب) ,تتساءل ف,المرنيسي: "هل يهدد الحب الزوجي أسس الأسرة التقليدية التي تجعل من العلاقة الجنسية بدون حب بين الجنسين نموذجا للزواج المثالي؟...أيهدّد الحب بين الزوجين شيئا حيويا في الهندسة الاجتماعية؟
الجنس كهندسة اجتماعية :
تقوم الهندسة الاجتماعية للأوساط العربية على عالمين منفصلين_حيث للأدوار المكانية دور أساسي:عالم الرجل كتجسيد للسلطة والدين, وعالم المرأة كتمثيل للحياة الجنسية والأسرة, والطاعة النسوية لعالم ذكوري تصبح النمط السلوكي الوحيد المعبّر عنه في ظل علاقات التمايز"تسلط_رضوخ" ....تشكّل النساء ضمن هذا التقسيم تجسيد لكائنات جنسية ..ومن هنا يأتي الفصل بين الجنسين "من خلال عزل المرأة واحتجابها" في إطار علاقة تراتبية حيث الاتصال الوحيد الممكن بين الجنسين لوظيفة بيولوجية تناسلية, وهذا ما يضفي في النهاية طابع جنسي على العلاقات الإنسانية
حوصلة لما سبق
على الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على صدور هذا المؤلف إلا أنّه من الخطأ الاعتقاد بأنه يعكس في كل تفسيراته ممارسات عفا عليها الدهر, لقد جدّت تغيّرات بالفعل في مجتمعاتنا الراهنة,وبعض أنماط السلوكات التي كانت سائدة آنذاك لا تجد لها حيّزًا كبيرا في حاضرنا, إلا أنّ المقاربات والمفارقات التي تكشفها المرنيسي عن البنية الاجتماعية العربية لاتزال تلقي بظلالها على واقعنا المعاصر’ فالمرأة المستلبة ذاتيا في نظام ذكوري حاضرة في يومنا ,والخوف من حياتها الجنسية متجسّد في كل آليات الطمس الجسدي والمعنوي للمرأة’ وهشاشة الخليّة الأسرية الفارغة إلا من الجنس ’ ونظام تعدّد الزوجات_حيث العاطفية والحميمية مطلب مستحيل_ قد لا تكون حكرًا على أوساط السبعينات ..والجنس "المدنّس" كدلالة وحيدة عن كيان المرأة, يفرض نفسه كقطب الرحى في تسيير العلاقات الإنسانية
يقول ميشيل فوكو:إن أكثر الشعوب تحريما لشيء هي أكثرها هوسًا به ’لعلّ هذا ما يجعل من الجنس في الوعي واللاوعي العربي تابو وهاجس في الوقت ذاته,محظور في الوعي الجمعي ,إنما يعبّر عن نفسه في البنية اللاشعورية للجماعة كهندسة اجتماعية قائمة