حين ولد مارسيل بروست في العاشر من تموز عام 1871، في منزل جده لوالدته، في أوتوي (وهي من ضواحي باريس)، ظنوه أضعف من أن يستمر في الحياة. ولقد عزا وهنه إلى حرمانات أمه إبَّان حصار الألمان للعاصمة الفرنسية، التي دخلوها بعد أن انقطعت عن العالم الخارجي، خلال أربعة شهور تجويعية شحّت فيه المواد الغذائية. وعندما كان في التاسعة أصابته أول نوبة ربو، أثناء نزهة مع العائلة في غابة بولونبا المحاذية لهذا البيت. وكاد يموت تحت عين والده المرتاع، وهذه العلة تسببت أوجاعًا مبرحة ستلازمه حتى رمقه الأخير.
يكشف الحاج شاهين في هذا الكتاب فصولاً يسرد فيها كيف استطاع بروست ذاك الكاتب الذي رفضه الناشرون، مكتفين بقراءة بعض صفحاته بقرف، معتبرينه مؤلفًا جنوبيًا صالونيًا.. إلى ذاك الاكتشاف الفذ والكاتب ذا الشأن العظيم.
يقول صديقه أناتول فرانس : " أني أحبك كثيرا . لقد جملت لي الكون " وسأله " ماذا تفعل لكي تعرف كل هذه الأشياء ! " فأجابه " عندما كنت في سنك لم أكن جميلا مثلك ، لم أكن أعجب أحدا . لم أكن اذهب الى المجتمعات ، كنت أبقى في بيتي واقرأ دون إنقطاع "
رفضه الناشرون بالاول ، واكتفو بقراءة بعض صفحاته بقرف ، خمنوه مؤلفا جنوبيا صالونيا ، واستهجنو كيف يدبج ثلاثين صفحة ليقول إنه يتشقلب في سريره دون أن يتمكن من النوم . منهم أندريه جيد الذي عاد مع جاك ريفيير ، وإعتبره إكتشافا فذا ، وأعتذر منه لانه أساء التقدير
يرى بروست أن الخلق البشري ينافس الخلق الإلهي ولكن كيف ؟
إن الرسام يرى الدنيا ، ولا يجعلها مثالية ، بل يفعل أكثر من ذلك ، يهتك الستر عن بعض جوانبها المحجوبة عنا ، أو المرذولة منا ، ، لذلك اللوحة لا تعود تمثيلا للعالم البراني ، بل الجواني الكامل في بؤبؤنا ، فالفن يحل لغزنا الداخلي ، ويجسده في الخارج
ومن أكبر اكتشافات مارسيل بروست هي دراسته للمشاعر الكيانية المبهمة ، التي تنتابه فجأة فلا يجد لها مبررات خارجية أو مسببات منطقية ، والتي تنبع من التكوين الأنطولوجي للوجود بما هو كذلك ، والتساؤل حول مغزى النشوات الخارقة ، التي تستولي عليه دون أن يكون لها أي باعث حسي ملموس ، والتي تتشكل محورا فلسفيا يدور حوله كتابه بكامله .
يبتهج عندما يربح مالا ، أو ينجح في شهادته ، أو تتحسن صحته ، لكن لماذا يفرح حين يتأمل الورد في الربيع ، أو يسمع الموسيقى فيستعيد ماضيه بفضل كعكة مغموسة في الشاي ، وهكذا خلق مواضيع واحاسيس جديدة ، تفشت في كل تيارات الأدب المعاص
الجهد المبذول في الكتاب كبير جدا، الكاتب تعمق في افكار بروست في جميع مراحل عمره، بطريقة فلسفية وادبية ولغة عظيمة، مش مجرد كتاب تعريفي، هو يضم كل ما يهم اي قارئ ومحب لمارسيل بروست، منذ طفولته الى وفاته، تأثير كل ما كان حوله عليه وعلى عمله العظيم البحث عن الزمن المفقود، عبقري الطفولة هنا لم يكن القصد منها عبقرية بروست منذ كان طفل، وانما نظرة بروست الطفولية للموجودات حوله، وروحه، وذاته . علاقته المهمة جدا بجدته وامه، وكل من دخل حياته، لوحاته التي كان يرسمها لاي حدث عابر بسيط، اراء الكتاب في ادبه، اعتراف العظماء بعبقريته، وقولهم انه قد قضى على مجهود خمسين سنة من العمل الادبي للجميع بعمله الفذ . اذا لم تقرأ سيجعلك الكتاب تريد قرأة ملحمته بشدة، واذا كنت قراتها سيجعلك ترى بها اشياء جديدة وعظيمة، تعرف بها اهمية هذا الكاتب الفذ .