حظيت الفنون الأولى بعدة تسميات، فتارة تعدّ «بدائية» أو «زنجية» وأخرى «شعبية» أو «قبليّة» وهو ماجعل اللَّبْس من نصيبها. ويعود تعدد هذه التسميات إلى طبيعة النظرة الغربية لفنون البلدان غير الأوروبية،التي تنتمي لشعوب غالباً ما تكون شفوية وذات ديانات أنيمية.
وهذا الكتاب يعتبر مسحاً لتاريخ الفنون الأولى ولتوزعها الجغرافي. وهو بذلك يتابع عن كثب استكشاف الغرب لهذه الفنون وتجميعها في المتاحف المتتابعة. كما يقدم لنا قراءة إثنوغرافية في القبائل والشعوب التي تنتجها. وهكذا فإنه يعتبر رحلة في التعرف إليها، وبحثاً في طقوسها وشعائرها، وتحليلاً لغناها وتنوعهاوتعددها
في رحلة زمنية عبر القارات، يقدم الكتاب فنون الشعوب القديمة بطريقة سلسة ممتعة. من أفريقيا للأمريكيتين لآسيا القبلية وأوقيانوسيا، أبدع الإنسان البدائي بصنع الفن أينما وُجد كما لو أنّه حاجة ضرورية كي يستطيع الاستمرار في الحياة. تتواجد هذه القطع الفنية على شكل منحوتات أو أقنعة أو معاطف في متاحف أوروبية كأدلة آثارية على كل شعب قطن يومًا ما في بقعة ما من الأرض ويستمتع الوافدون برؤية فنون الإنسان منذ الأزل. يبدو تأثير الديانات واضحًا في الحرفة الفنية التي أتقنتها كل جماعة إمّا على قبورهم أو أصنامهم التي يعدونها آلهة، فمثلا يرتدي الإسكيمو أقنعة خاصة في حفلات مُسمّاة حفلات الدعوة حيث يحصل المرء منهم على العفو والغفران المسبق لأرواح الحيوانات التي يتأهب لصيدها. قبل الغزو الأوروبي واكتشاف الأمريكيتين أبدع الهنود الحمر بشتى أنواع الفنون المبينة بالتفصيل داخل الكتاب ولكن يتقصّد الفنان الهندي أن يترك عمله ناقصًا لأنه يحذر الكمال كما يتجنبه الفنان الفارسي فيضيف عيبًا مقصودًا لعمله الفني لأن الكمال لله وحده. تميز هنود الكاياباو في البرازيل بتزيين الجسد بزخارف ورسوم مميزة لتمييز الواحد منهم عن غيره من البشر وحيوانات الغابة. كما اشتهر شعب الماوري في نيوزيلندا بوشم مميز على الأوجه، فقاموا برسمه على وجوه عبيدهم قبل قطع رؤوسهم لبيعها إلى الأوروبيين. كان الفنان الأول قبل اختراع الورق وأدوات الرسم يستخدم جدران الكهوف والمغارات ولحاء الشجر وحتى جسده من أجل نقش رسومه وتخليدها. وهكذا كانت الفنون الأولى ربما ساذجة وربما عظيمة، الأمر نسبي يعود لكل شخص وذائقته المتأثرة بزمانه وبيئته وأفكاره الخاصة.