في يوم الجمعة اليوم السابع عشر من ديسمير اشعل البوعزيزي النار في جسده وليشعل معها ثورة اجتحاحت المدن التونسية الواحدة تلو الاخرى وما ان حلقت روحه الطاهرة ونفسه الى بارئها حتى حلقت روح الثورة معها وخرجت من جسدها التي اعيته الانظمة العربية قهرا وذلا ... وما هي الا عدة اسابيع حتى رحل زين العابدين موليا هاربا بينما بقيت روح البوعزيزي وان رحل حمى انتقلت الشقيقة مصر لتحذو حذوها لتطيحا بطاغيتين جثما على صدور الشعبين واستحلا الرئاسة مثنى وثلاث ورباع في وليتربعا على كرسيها عقودا من الزمن لم يغني عنهما زبانيتهما ولا جلاهما منهما شيئا ليسقطا في اقل من شهرين في منظر مهيب شهران فقط كانتا كافيتين لزعزعة نظام غرس اوتاد حكمه على صدور الشعوب لا بحبها بل بالبطش والقمع ومن ثم تلتها الاقطار العربية الواحدة تلو الاخرى
يتتبع الاستاذ عبد الإله بلقزيز تلك التغيرات التي طرأت على العالم العربي فاختلفت اسماؤه بين ربيع لدى البعض وخريف لدى اخرين ومؤامرة لدى طرف ثالث يتتبع فيها خلال عام 2011 تسلسل تلك الثورات في خمسة من الأقطار العربية منذ لحظة ولادتها في تونس الخضراء الى مصر ثم ليبيا واليمن واخيرا سوريا في مقالات متتابعة خلال تلك السنة وفي دراسة للثورة ومفهومها واهدافها وتسلسل الاحداث في تلك البلدان الخمس ومعرضا لبعض تلك البلدان التي نجحت حكومتها من تفادي الانجرار الى الثورة فادركت حكوماتها ما هو قادم لا محالة في انظمة كانت تصدح بان الحكم للشعب لا حكم الا به خطابات لم تتعدى اوراق الدساتير ونفاق الاعلام والمزامير فسارعت الى فرض اصلاحات اسكتت همهمات الثورة كعمان والمغرب حينها وبلدان اصرت حكوماتها على الا تقتلعها الثورة الا تقتلع الاوطان معها فتقتل نصفهم وتشرد الاخر .
يتحدث بلقزيز عن مفهوم الثورة فيعرفها على انها التغيير الجذري للنظام الاجتماعي والاقتصادي وليس النظام السياسي فقط وليس الذهاب بنخبة للأتيان بنخبة اخرى فاذا مفهوم الثورة لا ينطبق عليه هذا المصطلح الا اذا قاد تحسن في الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي اما اذا تدهور فهي اذا ثورة مضادة وانتكاسة , ثم يبحر سبل نجاح الثورة وما تحتاجه اي ثورة لاكتمال نضجها وايضا السبل التي قد تؤدي لسرقة الثورة وانتكاسها حافظا لكل بلد خصوصيته فتونس ليست كمصر ومصر ليست كليبيا وليبيا ليست كسوريا او اليمن فما ينجح في احدهما قد لا ينجح في الاخرى واختلاف المطالب والخلفية لكل بلد وحالته التي تتوجب حكما مختلفا ومحذرا من سرق الثورة خارجيا وتلاعب ايد خارجية بها ثم يتحدث عن دور الشباب التي لطالما كانت تنظر اليهم الدولة والقوة السياسية كشباب لا ارداة له ولا علاقة له بالسياسية وناظرة اليه كشباب لا يتحلي بأي نوع من الوعي ليدافع عنه في فصلين من اجمل فصول الكتاب بعنوان الجيل الذي اخطأنا اكتشاف طاقاته وفي مديح شباب الثورة .
سيجيبك عبد الإله بلقزيز عند اسئلة لطالما سئلت عن الثورة ومغازيها متى ستكون ثورة ومتى لن تكون , ما ماّل الثورة المعينة اذا استمرت بهذه الطريقة وما تحتاجه للوصول الى بر الامان وها نحن اليوم وبعد مضي 7 اعوام على انطلاق اول صيحة في تونس وما الت اليه اليوم الثورات العربية فبعضها سرق كما حذر وبعضها قد اعيتها الخلافات وبعضها ما زالت تسبح في شلال من الدماء واخرى سرقت خارجيا , قراءة موضوعية واستشراق للمستقبل خطها البلقزيز قبل 7 اعوام محذرا من بعضها ومشجعا لبعضها وناصحا لبعضها الاخر .
الكتاب مميز بلا شك فالكتاب جميل بنقده الذي ينم عن شخصية عارفة ولغة رفيعة قريبة الى السرد القصصي منه الى الاحصائيات والحشو المعرفي ثقبل البلع والهضم وان كان قد شذ عن تلك القاعدة في باب ينتصف الكتاب يتحدث فيه عن الوضع المغربي المختلف فاثقل واسهب استخدم لغة صعبة واستخداما مفرطا لنقاط الدستور في حالة تبدو كمحاولة فرض رأي جاهز على القارئ في هذا الفصل تحديدا او ربما لانه مغربي الجنسية فاسهب في ذلك .
دراسة تستحق الاشادة والقراءة واختم باقتباس يقول :
لم نردك الا متاخرين ان الملايين من الشباب العرب ليسوا من جمهور ( روتانا ) واشبهاها ولا ممن استلبتهم منافسات كرة القدم ولا ممن يشمئزون من عادة القراءة ولا ممن يعزفون عن الاهتمام بالشأن العام انما كان في جملتهم شباب طليعي واع ومثقف وذلك الذي رأيناه في شارع الحبيب بورقيبة وميدان التحرير وساحة التغيير وباب الحد وسواها من الساحات والميادين