لم يكن باستطاعة صابر أن يولد في الجِيّة, لأنه كان يَجب أن تقع النكبة، وتضيع الجِيّة، ويهاجر أبواه، ليلتقيا في مخيم الشوا، ويتزوجا، عام الثلجة، ويتأخر قدوم صابر عامين، حتى تبلغ أمه سن الإنْجاب، إلى آخر ليلة من ليالي كانون ـ الذي سوف يصبح له مع صابر قصة طويلة ـ في خيمة براشوت من مخلفات الحرب العالمية الثانية، التي أعادت ترتيب الأمور والمناطق في العالم؛ بِحيث صارت فلسطين من نصيب اليهود، وصارت المظلات من نصيب الفلسطينيين.
لم تكن غزة، في ذلك الوقت، قد وصلت إلى البحر: فقد كانت تفصلها عنه سوافي رمل ناعمة، تندرج فوقها خطوطٌ متموجة سوداء، كرمادٍ متخلّف من نارٍ، ذرَّته الرياحُ، لتمحوه الأمطار. وقلما كان يمكن رؤية آثار قدم هنا أو هناك؛ فلا بشر ولا أنعام!.. ولا يمكن استغراب ذلك، لأن استصلاح هذه الأرض البور وسكناها، لا يمكن أن يتم إلا بالمهاجرين، الذين سيحفرون الآبار ويبنون البيوت الإسمنتية، ويستزرعون الأرض؛ كل ذلك لغيرهم، وبالأجرة التي سوف تكفي بالكاد، للخبز الحاف، والبنطلون المرقع.
كان آخر المدينة غرباً يقترب من السرايا، على استحياء متباعد.
أما غربي السرايا، فلا بيت هناك، على امتداد البصر والأحراش، حتى البحر.
وعلى نفس الخط الأفقي، بامتداد الشمال تماماً من السرايا، كان هناك مخيم الشوا، غربي سينما عامر الصيفية، التي سوف تقوم بعد ذلك بوقت طويل: خيام متجاورة ومزدحمة، على قطعة صغيرة من الأرض، المزدحمة بالذباب والفضلات، مثل بقايا جيش مهزوم، تَحت السماء مباشرة، في الحرّ والقُرّ والجوع.. شيء لا يشبهه إلا مخيمات الغجر.
وفي الليل، عندما يرفض الكرى أن يزور أجفان الأطفال، بسبب الجوع والبرد، كان يمكن سماع أغانٍ حزينةٍ جديدة، ابتدعتها الأمهات والجدات، من وحي المأساة، تصف عملية الترحيل والرمال والرياح والخيانة.
أستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة الأقصى بغزة. ولد في خيمة من خيام الأمم المتحدة عام 1952، في مخيم الشوا بمدينة غزة، لأبوين مهاجرين من قرية الجِيَّة بجنوبي فلسطين.
المؤلفات: أولاً: الشعر: 1ـ الانفجار. 1993. 2ـ اشتعالات على حافة الأرض. 1995.
ثانياً: الروايات: 1ـ قفص لكل الطيور1997. 2ـ اقتلوني ومالكاً. 1998. 3ـ عين اسفينه. 2005.
رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى! أذهلتني التفاصيل الصغيرة والقصص التي أسمعها في العادة من جدّتَي والعامية الفلسطينية التي تشكّل جزء من كينونة كل فلسطيني وهويته. الرواية تروي تاريخ المخيم وكرت التموين ونكاتنا وفظائعنا وخيباتنا وانتصاراتنا في عالمنا الصغير الذي فُرض علينا نحن اللاجئون.
الأستاذ محجز جعلني أقرأ وابتسم, أنهيت الرواية " ع قعدة ", كانت من أكثر قراءاتي تسلية وحنيناً.. لقد أغرمت بالوطن ثانية, أغرمت بالأشخاص, بالدراويش, بالموالي, بالنساء والجارات والحارات وأبو ذنيبة والبرش والأكاسيا والمقبرة والجميز والبدوي الأسمر واليهودية المشدوهة والحاووز والغزازوة والمجادلة والجباليّة, أغرمت بروح الفلسطيني وهو يحكي عن فلسطين, ولعنت المخيم ألف مرة.
تناول الرواية جزء من حياة الفلسطينيين ما قبل وأثناء النكبة اضافة الى حياتهم بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة والقطاع، تتطرح الرواية جوانبا كثيرة مسكوت عنها في العادة مثل علاقة الفصائل الفلسطينية ببعضها ومع الاحتلال تفعل الرواية ذلك بجرأة وسلاسة في الطرح. الرواية استكمال للرواية السابقة "قفص لكل الطيور" يأخذ العنوان معناه، من احد مشاهد الصراع الدامي في التاريخ الاسلامي. وبالتحديد من "معركة الجمل" سنة 36 هـ. نقرأ: "واحدق اهل النجدات والشجاعة بعائشة. فكان لا يأخذ الراية ولا بخطام الجمل، الا شجاع معروف، فيقتل من قصده، ثم يقتل بعد ذلك ... ثم تقدّم عبد الله بن الزبير فأخذ بخطام الجمل، وهو لا يتكلم، فقيل لعائشة انه ابنك، ابن اختك! فقالت: وا ثكل اسماء! وجاء مالك ابن الحارث "الاشتر النخعي"، فاقتتلا، فضربه الاشتر على رأسه، فجرحه جرحاً شديداً. وضربه عبد الله ضربة خفيفة. ثم اعتنقا، وسقطا الى الارض يعتركان، فجعل عبد الله بن الزبير يقول: اقتلوني ومالكاً، واقتلوا مالكاً معي. فجعل الناس لا يعرفون مالكاً من هو، وانما هو معروف بالاشتر، فحمل اصحاب علي وعائشة، فخلصوهما...". في الرواية يطالب أحد الأبطال بأن يتم انها الاحتلال وانهائه معه ليرتاح من عذاب الاحتلال. تتناوب العامية الفلسطينية مع العربية الفصحى لتقدم صورة لغوية سهلة ومعبرة. أنصح بالرواية