Jump to ratings and reviews
Rate this book

The Age of the Efendiyya: Passages to Modernity in National-Colonial Egypt

Rate this book
In colonial-era Egypt, a new social category of "modern men" emerged, the efendiyya . Working as bureaucrats, teachers, journalists, free professionals, and public intellectuals, the efendiyya represented the new middle class elite. They were the experts who drafted and carried out the state's modernisation policies, and the makers as well as majority consumers of modern forms of politics and national culture. As simultaneously "authentic" and "modern", they assumed a key political role in the anti-colonial movement and in the building of a modern state both before and after the revolution of 1952.

Lucie Ryzova explores where these self-consciously modern men came from, and how they came to be such major figures, by examining multiple social, cultural, and institutional contexts. These contexts include the social strategies pursued by "traditional" households responding to new opportunities for social mobility; modern schools as vehicles for new forms of knowledge dissemination, which had the potential to redefine social authority; but also include new forms of youth culture, student rituals, peer networks, and urban popular culture. The most common modes of self-expression among the effendiyya were through politics and writing (either literature or autobiography). This articulated an efendi culture imbued with a sense of mission, duty, and entitlement, and defined the ways in which their social experiences played into the making of modern Egyptian culture and politics.

296 pages, Hardcover

First published January 1, 2014

2 people are currently reading
37 people want to read

About the author

Lucie Ryzova

3 books8 followers
Lucie Ryzova is a social and cultural historian of modern Egypt, with particular interest in Egyptian popular culture and vernacular modernity.
She studied Arabic and Middle Eastern history at Charles University, Prague, before coming to the UK to do her DPhil in History at the University of Oxford. Before joining the University of Birmingham in the Fall of 2014, She held two postdoctoral positions at the University of Oxford: a Junior Research Fellowship at St John’s College, and a Leverhulme Early Career Fellowship at the Faculty of History.

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (25%)
4 stars
1 (25%)
3 stars
2 (50%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Profile Image for ع.
5 reviews4 followers
Read
March 14, 2026
يشكل كتاب "عصر الأفندية: ممرات الحداثة في مصر خلال فترة الهيمنة اﻻستعمارية وبناء الأمة الحديثة" للوسي ريزوفا أستاذة تاريخ الشرق الأوسط بجامعة بيرمنجهام إسهاما أصيلا ونادرا في حقل الدراسات المصرية والعربية الحديثة وفي حقل الدراسات التاريخية المقارنة للحداثة بوجه عام. فهو لا يكتفي بتسليط الضوء على فئة اجتماعية معينة هي فئة الأفندية في مصر بين ثمانينات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين بل يعيد تأسيس الأسئلة المنهجية والمفاهيمية التي ينبغي لمؤرخ الحداثة أن يطرحها.
لم يكن الكتاب محاولة لرسم بورتريه طبقي اجتماعي تقليدي، ولا استعراضا سياسيا لتاريخ النخب المصرية. بل كان مشروعا بحثيا جريئا راميا إلى الإجابة عن أسئلة جوهرية لفهم التاريخ المصري الحديث: كيف يصنع أبناء الطبقة الوسطى الناشئة من أنفسهم أفنديين؟ وكيف يصنع الأفنديون حداثتهم الخاصة؟ وهل هذه الحداثة مجرد انعكاس للنموذج الغربي أم أنها تتضمن ديناميكيات داخلية محلية تستحق الفهم المستقل؟
تنطلق ريزوفا من قناعة راسخة بأن المؤرخ ينبغي له أن يبحث عن الفاعلين التاريخيين "في المنتصف" لا في أعلى الهرم الاجتماعي حيث تتموضع النخب الكبرى ولا في قاعه حيث الفلاحون والعمال، بل في منطقة وسيطة ديناميكية يتشكل فيها المجتمع فعليا. والأفنديون تحديدا هم أبناء هذه المنطقة الوسطى: فهم ليسوا من النخب بالمعنى الكلاسيكي، وليسوا من الفقراء بمعنى الطبقة الدنيا، بل هم أبناء العائلات المتوسطة وصغار الملاك والتجار وأصحاب الحرف والعلماء الدينيين الذين راهنوا على التعليم الحديث وسيلة للارتقاء الاجتماعي. ويمتاز الكتاب بحضور نظري متعدد المرجعيات يجمع بين التاريخ الثقافي وعلم الأنثروبولوجيا الاجتماعية والنقد الأدبي ودراسات الثقافة المادية، وهو ما يمنحه ثراء استثنائيا وتعقيدا مثيرا للتساؤل في آن واحد.
يتصدر الكتاب سؤال تعريفي إشكالي: من هو الأفندي؟ تنأى ريزوفا عن الإجابة الاختزالية التي تقرن الأفندية بلبس الطربوش وارتداء البدلة الإفرنجية أو بالحصول على شهادة من مدرسة حديثة. فهي ترى أن الأفندية ظاهرة ثقافية وأدائية أولا وأخيرا، لا موقعا طبقيا بالمعنى البنيوي الصارم. الأفندي هو من يطالب بالحداثة ويؤديها، لا من يمتلك بالضرورة المواصفات الاجتماعية والاقتصادية لذلك. هذا التعريف الأدائي مستمد من جهة من إرث غوفمان في التحليل السوسيولوجي للهوية الاجتماعية بوصفها "عرضا" ومن جهة أخرى من الإرث الأنثروبولوجي لفيكتور تيرنر في تحليل طقوس العبور. بيد أن ريزوفا تعيد توظيف هذه المفاهيم في سياق تاريخي ملموس، مما يمنحها قيمة تفسيرية لا مجرد قيمة تصنيفية. والتمييز المحوري الذي ترسيه المؤلفة بين "الشرائح الوسطى" بوصفها واقعا اجتماعيا اقتصاديا قابلا للقياس الإمبيريقي و"الطبقة الوسطى" بوصفها بناء ثقافيا تنتجه الممارسات الاجتماعية والأدائية السردية ـ هذا التمييز ـ يحتل مكانة في بنية الكتاب. فالأفندية في هذا الفهم ليست انعكاسا لموقع طبقي موضوعي، بل هي رهان مستقبلي وتطلع جمعي يعاد إنتاجه عبر الزمن عبر منظومة من الممارسات: الملابس، والخطاب، والتعليم، والمشي في الشوارع، والقراءة، وارتياد السينما والمقاهي.
من أعمق المفاهيم التي يطرحها الكتاب مفهوم "الحداثة الأصيلة" الذي يصف الكيفية التي ابتكر بها الأفنديون المصريون تركيبة هجينة تجمع بين مطالب الحداثة الغربية ومتطلبات الانتماء الوطني والجذور المحلية في آن واحد. فالأفندي ليس متغربا يقلد الغرب، ولا تقليديا يرفض الحداثة، بل هو كائن ثالث يسعى إلى امتلاك الحداثة مع الاحتفاظ بشرعية الانتماء. هنا تدخل ريزوفا في حوار نقدي مع الإرث النظري لما بعد الاستعمار، لا سيما كتابي فرانز فانون "معذبو الأرض" وهومي بابا "موقع الثقافة". فإذا كان فانون يحلل النخبة الاستعمارية المتماهية مع ثقافة المستعمر على حساب هويتها الأصلية، فإن ريزوفا ترى أن نموذج "التقليد الاستعماري" لا ينطبق على حالة الأفنديين المصريين بالطريقة التي تصورها فانون. فالأفندي المصري لم يكن مجرد محاك للنموذج البريطاني، بل كان ينتج حداثة مستقلة تنبع من دوافع محلية: الرغبة في الانتماء إلى "الدولة" وامتلاك قوتها، والارتقاء من موقع تابع إلى موقع فاعل، والحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة الاستعمار لا التخلي عنها. هذا هو الاختلاف الجوهري بين المثقف المستلب كما وصفه فانون والأفندي المصري كما تصفه ريزوفا.
تجسد هذه التركيبة نفسها في الأدب الروائي المصري. ففي رواية "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي ـ التي تحللها ريزوفا بعناية عبر صفحات الكتاب ـ يعود إسماعيل من أوروبا حاملا معرفة الطب الغربي الحديث، لكنه يصطدم بالشرعية الدينية الشعبية الممثلة في قنديل الضريح. والحل الذي يبتكره الروائي ليس انتصار الغرب على التقاليد، ولا استسلام الحداثة للموروث، بل تركيب ثالث يدمج بين الطب العلمي والإيمان المحلي، وهو تماما ما تقصده ريزوفا ب"الحداثة الأصيلة". لكن هذا المفهوم يطرح تساؤلات جدية: ألا يخاطر هذا التأطير بأن يضفي شرعية غير نقدية على تناقضات الوعي الأفندي؟ وهل الجمع بين الحداثة والأصالة كان اختيارا حرا، أم كان إجبارا نفسيا وتاريخيا على أبناء جيل وجدوا أنفسهم يعيشون في الهوامش بين عالمين؟ تشير ريزوفا إلى هذا التوتر ولكنها لا تتبعه بما يكفي.
لعل أبرز ما يميز منهج ريزوفا هو إصرارها على بناء "أرشيف بديل" يتجاوز الوثيقة الرسمية والسجل البيروقراطي. فهي تنطلق من الافتراض الإبستمولوجي بأن التاريخ الثقافي لا يمكن استقراؤه من الأرشيف الرسمي وحده؛ إذ الأرشيف الرسمي يعكس وجهة نظر الدولة والنخب، بينما الأرشيف البديل يتيح الوصول إلى ممارسات الأفراد وتجاربهم اليومية. تتمحور ريزوفا حول ما يمكن تسميته بمنهج "الأزبكية" أي مجموعات الكتب القديمة المتداولة في أسواق الكتب المستعملة بالقاهرة. فهذه الكتب تحمل آثار قرائها ـ التعليقات الهامشية، والإهداءات، والصورـ مما يجعلها وثائق حية للتاريخ الثقافي أكثر مما هي مجرد نصوص أدبية. والاستثمار المنهجي لهذه "الطبقة الثانوية" من النصوص يفضي إلى رؤية تاريخية أكثر ثراء وعمقا. هذا النهج يستدعي إطارا نقديا خاصا: فالمصادر المنتقاة ليست موضوعية بالطبع، إذ هي قابلة للانتقاء والمصادرة والإتلاف بصورة انتقائية، فضلا عن أنها تمثل بشكل رئيسي من كان في مقدوره الكتابة والاحتفاظ بالكتب وتداولها وهو ما يخلق تحيزا نحو الأفنديين الذكور من الحضر المتعلمين، بينما تبقى النساء والريفيون والفقراء في الظل. كما يخصص الكتاب حيزا تحليليا مهما للصور الفوتوغرافية بوصفها وثائق للهوية الأفندية. فالبورتريه الفوتوغرافي في مصر النصف الأول من القرن العشرين لم يكن مجرد تذكار أو تسجيل بصري، بل كان فعلا تأسيسيا لهوية ذاتية جديدة. الأفندي يصور بملابسه الإفرنجية وطربوشه وهيئته المنتصبة، وقد يرفق البورتريه باسمه ولقبه بالكامل على بطاقة عمل مميزة. وتستدعي ريزوفا هنا السوسيولوجي إسطفان شيحا الذي درس "الذوات الأحادية" في السياق العربي، لتعيد التساؤل: هل هذه الصورة الفردية المعزولة دليل على نزعة فردانية حديثة، أم أنها تبقى محاطة بالسياق الجمعي العائلي والجيلي الذي جعل وجودها ممكنا؟ تميل ريزوفا إلى أن الصورة الفردية لا تعني انفصالا بل هي فعل إعلان لهوية مكتسبة عبر جهد جمعي.
ولا تتعامل ريزوفا مع الأفلام والروايات باعتبارها مجرد شواهد ثقافية تزيينية، بل تستخدمها مصادر تاريخية رئيسية تكشف عن الهموم والأحلام والمخاوف الجمعية للأفنديين. فأفلام مثل "ابن الحداد" 1944 و"الدكتور" 1939 و"العزيمة" 1939 تتيح رؤية كيف صاغت الثقافة الشعبية تمثيلات الأفندي ووظيفته الاجتماعية في الخيال الجمعي. هذه الاختيارات المنهجية تكشف عن فلسفة تاريخية متكاملة: التاريخ لا يسجل فقط في الوثائق الرسمية والسير الذاتية، بل يختزن أيضا في الخيال الجمعي وفي منتجات الثقافة الشعبية. والمؤرخ الكفء هو من يقرأ هذه المنتجات بوصفها نصوصا تاريخية لها لغتها وبنيتها الخاصتان. لكن على الصعيد النقدي، يثير هذا المنهج تساؤلات حول التحقق والتوازن: السينما والرواية هما أدوات للتمثيل والإنتاج الأيديولوجي لا مجرد نوافذ شفافة على الواقع الاجتماعي. وتدرك ريزوفا هذا الأمر جيدا وتصرح به، غير أن التطبيق التحليلي يحتاج أحيانا إلى مزيد من الحرص النقدي.
يرتب الكتاب تحليله وفق مخطط أنثروبولوجي مستوحى من أرنولد فان جينيب وفيكتور تيرنر اللذين درسا طقوس العبور في المجتمعات التقليدية. ينقسم الكتاب إلى مراحل ثلاث تعكس بنية الانفصال والعتبية "الليمينالية" وإعادة الاندماج: البداية في الريف والحارة الشعبيية والمرور عبر التعليم والشبيبة الحضرية والمغامرة الثقافية، ثم العودة. هذا الهيكل الطقوسي يخدم أغراضا تحليلية واضحة: يبرز أن تحول الفرد إلى أفندي ليس مجرد تغيير مهني أو اقتصادي بل هو عبور وجودي حقيقي يعيد تشكيل الهوية والعلاقات والمتخيل كليا. ويبرز أيضا أن هذا العبور ليس خطيا أحادي الاتجاه بل هو مسار ملتو تسكنه التوترات والارتدادات.
يعد الفصل الثالث "قلوب مليئة بالأمل" من أثرى فصول الكتاب وأكثرها إثارة للتأمل. فهو يحلل البنى الاقتصادية والعائلية والثقافية التي جعلت التعليم الحديث ممكنا وضروريا للأسر المتوسطة المصرية في مطلع القرن العشرين. والسؤال الجوهري الذي يعيد ريزوفا طرحه بتعمق استثنائي هو: لماذا ضحت هذه الأسر بمواردها لإرسال أبنائها إلى مدارس مكلفة؟ فتكشف ريزوفا عن توترين أساسيين في فهم الموضوع: أولا، التوتر بين الرواية الثقافية والتفسير الاقتصادي. فسير كثيرة من أبرز المثقفين المصريين كطه حسين الذي يشكو ﻻبنته أنه قضى شهورا يتناول نوع واحد من الطعام تضخم قصص الشقاء والمعاناة في سبيل التعليم، بينما التدقيق الإمبيريقي يكشف أن أسرهم كانت في الغالب متوسطة الحال قادرة على الإنفاق على التعليم. ثانيا، التوتر اﻻقتصادي فالتعليم الحديث يتطلب دفع مبالغ نقدية ثابتة في مواعيد محددة، وهذا خارج إيقاع أسر ريفية تعتمد اقتصاد المواسم الزراعية وتحتفظ بثرواتها في صورة مواش وأراض وبيوت ومجوهرات النساء.
ومن أجمل ما يرصده الكتاب هنا وصف "اقتصاد التضحية الأسري" أي تضحية العائلة ككيان جماعي بمواردها ـ تبيع قطعة الأرض، وترهن المجوهرات، وتستدين من الأقارب ـ لتحول أحد الأبناء إلى أفندي، مراهنة على أن نجاحه سيعود بالخير على الجميع. وتحيل ريزوفا على وصف يحيى حقي بأن جيل كامل وعائلة بأسرها ضحوا بأنفسهم للسماح لفرد واحد من سلالتها بالنمو.
ويحلل الفصل الرابع "ممرات إلى الحداثة" ما تسميه ريزوفا ب"التكوين" أي عملية صنع الذات الحديثة. وتميز ريزوفا بين التكوين في مفهومه ا��سردي كما يظهر في السير الذاتية المصرية حيث تبدأ كل سيرة بالجذور الريفية وتنتهي في القمة معتمدة على ثيمات متكررة للرحيل والتحول الشخصي والكفاح والنجاح وبين التكوين في بعده الاجتماعي والحضري أي تجربة الشاب في القاهرة بعيدا عن سلطة الأب، وهو يكتشف العالم عبر السينما والمقاهي والصحف ودوائر الأصدقاء. ما يميز تحليل ريزوفا هنا رفضها الحاسم للتفسير المدرسي الصارم للتكوين. فهي تبين أن السينما وروايات الجيب المترجمة الرخيصة مثل قصص أرسين لوبان وشرلوك هولمز أسهمت في تشكيل وعي الشباب المصري بالحداثة أكثر مما فعلته المناهج الدراسية الرسمية. وعبر قراءة سيرة "عبد الله الطوخي" تثبت أن النفور من المدرسة وحب التسكع في شوارع المنصورة والإعجاب بسينماها كانا الوقود الحقيقي لرغبته في المغادرة والانتماء إلى عالم مختلف عالم واسع ومجهول يمكن لصبي قروي أن يبحث عن مكان لنفسه فيه. وترى ريزوفا في أنماط المغادرة والاستقرار في المدينة نمطا طقوسيا للانفصال عن البيئة الأصلية ـ الريف أو الحارة ـ وهو انفصال لا يعني القطيعة الكاملة بل ينتج نوعا من الأصالة فالأفندي يحتفظ بالريف/الحارة ذاكرة للأصالة ومصدرا للشرعية الوطنية، في حين تصبح المدينة فضاء للحداثة والحرية والإبداع. غير أن هذا الفصل يثير تساؤلا كيف نميز بين الانبهار الصادق بالحداثة وبين الاستيلاب الثقافي؟ وهل كان رفض الريف والحارة في السير الذاتية الأفندية تحررا فعليا أم أنه كان قلقا وجوديا يتوارى خلف خطاب التقدم؟
أما الفصل الخامس "المماليك الجدد" فيطبق مفهوم تيرنر عن "الكوميونيتاس: مفهوم يشير إلى الشعور العميق بالمساواة التضامن المجمتعي الذي يختبره الأفراد خلال فترات العتبية/اﻻنتقالية" على ثقافة الشباب الأفندي في القاهرة بين الحربين. تقدم ريزوفا الغرف المستأجرة في أحياء القاهرة الشعبية كحي السيدة زينب ومنطقة درب الجماميز المجاورة وغيرهما بوصفها ليست مجرد مساكن بل فضاءات عتبية "ليمينالية" يتشكل فيها الوعي الجيلي الجمعي. حيث كان الشباب الأفندي يشكلون "أسرا ذكورية" في هذه الأماكن بعيدا عن سلطة الآباء والأجداد، لكن دون أن يصلوا بعد إلى مرتبة الأب والمعيل. وفي هذه المنطقة البينية يتشكل وعيهم السياسي: يقرؤون الصحف الوطنية في المقاهي، ويناقشون قضايا الاستقلال وحقوق المرأة ومستقبل مصر، ويذهبون إلى السينما ويشاهدون الأفلام التي تعيد بناء متخيلهم الاجتماعي. ومن أكثر ما تسهم به ريزوفا في فهم هذه الظاهرة تحليلها للمقاهي بوصفها مسارح للنشاط السياسي والثقافي الأفندي. فمثلا كان عبد الرحمن الرافعي يتجمع مع أصدقائه طلاب مدرسة الحقوق في مطلع القرن العشرين في "قهوة الحقوق" بشارع عابدين لقراءة الصحف على اختلاف ميولها ومذاهبها ومناقشة الأوضاع السياسية. وفي مقاه مماثلة في الإسكندرية والمنصورة وطنطا كان ينشأ وعي جيلي موحد تجمع شتاته المغادرة والتعليم والشوق الموحد إلى الانتماء لعالم الحداثة كما يقدم هذا الفصل تحليلا للعلاقة بين السلطة الجديدة (سلطة المدرسة والدولة) والسلطة القديمة (سلطة الأب والجد) وكيف استبدل الشاب الأفندي ميكانيزمات ضبط الدولة الحديثة بالسيطرة البطريركية وﻻ يعني هذا اﻻنتقال من جهاز انضباطي إلى آخر غياب الأول ولكن يتعلق اﻷمر بمفصلة هذه البنى المتوازية للسلطة فيمكن للناس أن يكونوا ثوريين وﻻ يعبرون عن ذلك داخل البيت أو أن يعرضوا حياتهم للخطر في سبيل دعوات استقلال ويعودون إلى المنزل وكأن شيئا لم يكن.
تختم ريزوفا الكتاب بفصل بالغ التعقيد حول إشكالية "العودة" ما الذي يحدث حين يعود الأفندي إلى عائلته وجماعته وبيئته بعد تكوينه المديني؟ وتستحضر لذلك أسطورة بروميثيوس لتشير إلى أن الأفندي العائد من أولمب التعليم الأوروبي أو المديني يحمل نيران المعرفة لأبناء قريته/حارته وعلى عكس الأسطورة لا يعاقب الأفندي دائما بل ينجح أحيانا ولكنه في نسخ أخرى تتحول نيران المعرفة إلى أداة تسلط واستبداد. ويحلل الفصل البنية الدائرية في الثقافة الأفندية حيث يثور الأبناء على آبائهم ويهربون من سلطتهم ويحررون أنفسهم في المدينة ويكتسبون المعرفة الحديثة ثم يعودون ليصبحوا الآباء الجدد الأبويين بأشكال مختلفة. هذه الديالكتيك الدائرية ـ الثورة على الأبوة ثم التحول إلى الأب ـ هي لب التوتر البنيوي في الثقافة الأفندية. فالابن الأكبر الذي ضحت العائلة بكل شيء من أجل تعليمه قد يستخدم موقعه الجديد لإعادة إنتاج السلطة الأبوية بأشكال جديدة، أو قد يجد نفسه محبوسا بين ولاءين متعارضين: الأسرة التي منحته شرعيته الأولى، والعالم الحديث الذي صنعه من جديد.
يمثل الكتاب إسهاما متميزا في التوجه نحو الاهتمام بالأشياء والممارسات والأجساد وليس فقط بالنصوص والأفكار المجردة. فريزوفا لا تحلل الأفندية بوصفها فكرة فقط، بل تتتبعها في الملابس والصور والكتب المستعملة والغرف المستأجرة والمقاهي والمشي في الشوارع .هذا التوجه المادي يعيد للتاريخ الاجتماعي والثقافي نكهته الحسية والجسدية، ويذكرنا بأن الهوية لا تنتج فقط في الأفكار بل تمارس وتؤدى بالأجساد في الأماكن والأزمنة.
لكن من أبرز الثغرات في الكتاب أن مصادره تنتقي أولئك الذين نجحوا في الأفندية وكتبوا سيرهم الذاتية وتركوا أثرا مكتوبا. فهؤلاء يمثلون نخبة الموفقين داخل الفئة الأفندية ذاتها. أما الأفنديون الفاشلون والمنتكسون والمحبطون ـ وهم كثر ـ فيبقون خارج حقل الرؤية. فكيف نفهم ظاهرة الأفندية دون أن نحلل ظاهرة "الأفندي المخفق" الذي لم يجد وظيفة بعد تعليم مضن، أو الذي بقي عالقا بين عالمين لا ينتمي لأي منهما؟ والكتاب لا يعطي هذا الوجه حيزا تحليليا كافيا. ويتمركز الكتاب حول القاهرة والمدن الكبرى تمركزا يبدو متعمدا لكنه يحد من القدرة التعميمية للخلاصات. فتجربة الأفندية في الصعيد أو في الدلتا أو في المدن الصغيرة كانت مختلفة في سياقاتها الاجتماعية ودلالاتها الثقافية. فهل تنطبق نتائج الكتاب عن ثقافة الشباب في القاهرة على الشباب في أسيوط أو دمياط أو أسوان؟ كما يمتد الإطار الزمني للكتاب من ثمانينات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين وهو امتداد طويل بحيث يخاطر بطمس التمايزات الداخلية. فأفندية عقد الثلاثينيات لم تكن هي أفندية عقد العشرينيات، فضلا عن أفندية الجيل الأول ومطلع القرن. وتحولات السياق السياسي تعني أن "الأفندي" لم يكن ظاهرة مستقرة عبر هذه العقود. ورغم أن الكثير من شخصيات الكتاب وأبطال سيره الذاتية انحدروا من بيئات دينية عميقة شيوخ أزهريون وأبناء أسر ذات تقاليد علمية دينية إلا أن الكتاب لا يعطي اهتماما كافيا للكيفية التي يعيد بها الأفندية تحديد علاقة الفرد بالدين. كيف أعاد الأفندي تفسير دينه في ضوء تكوينه الحديث؟ وكيف صاغ الإسلام بدوره هويته الأفندية؟ غياب هذا التحليل يفقد الصورة بعدا جوهريا.
كما يسلط الكتاب الضوء على أحد الأسباب البنيوية لأزمات الشرعية السياسية في مصر الحديثة: إذ أنتجت البنى التعليمية والاجتماعية أجيالا من الشباب المتعلم المستبعد من الفرص الاقتصادية والسياسية. وهذا الشباب حامل طموحات أفندية لا تجد مخرجا مشروعا، فيتحول إما إلى أداة للأيديولوجيات الاحتجاجية المتطرفة أو يصدر إلى الخارج بالهجرة .وهذا ما وضحه الكتاب في نهايات عديدة للمسارات الأفندية في القرن العشرين: الانخراط في الأيديولوجيات القومية المتشددة، أو في الإسلام السياسي، أو في الشيوعية الاشتراكية وكلها تعبيرات عن التطلع الأفندي الذي لم يجد تحقيقا مؤسسيا مشروعا.
تعلن ريزوفا صراحة في مقدمة الكتاب أنها تسعى إلى كتابة "التاريخ من المنتصف" وهو موقع بين التاريخ من الأعلى (النخب والدولة) والتاريخ من الأسفل (الفلاحون والعمال). ويمثل هذا البيان موقفا معرفيا وسياسيا في آن واحد: معرفيا لأنه يدعي أن هذا الموقع يتيح رؤية ما تعجز عنه الرؤيتان الأخريان، وسياسيا لأنه يعيد توزيع الشرعية التاريخية. بيد أن "التاريخ من المنتصف" يحمل مفارقة داخلية: فالأفنديون أنفسهم كانوا في الكثير من الأحيان رجال دولة وبيروقراطيين وأطباء ومحامين إلخ أي أنهم كانوا يشكلون نخبة بالمعنى الفعلي رغم أنهم أتوا من أصول متوسطة. فكيف نميز بدقة بين "المنتصف" الأصلي و"الأعلى" الذي وصل إليه كثير من أبطال الكتاب؟
ويعتمد الكتاب اعتمادا كبيرا على السير الذاتية المصرية بوصفها مصادر رئيسية لفهم الهوية الأفندية. وريزوفا واعية تماما بإشكالية هذا الاختيار: السيرة الذاتية هي نص أعيد بناؤه بأثر رجعي، ويحمل أجندة يريد صاحبه من خلالها تقديم نفسه بصورة معينة .لكن الكتاب يرى في هذه الأجندة السردية ذاتها مادة للتحليل التاريخي. إذا كان كل أفندي يصور طفولته باعتبارها معاناة في سبيل المعرفة، فهذا النمط السردي نفسه يكشف شيئا عن هوية الأفندية ومخيلتها الجماعية. وهذه القراءة "الأدائية" للسيرة الذاتية هي من أبرع ما يقدمه الكتاب منهجيا.
ويغذي الكتاب بشكل ضمني نقاشا فلسفيا أوسع حول ما يسمى ب"الحداثات المتعددة" أو "الحداثات البديلة": وهو الطرح الذي يرفض رؤية الحداثة بوصفها نموذجا غربيا أحاديا ينبغي اتباعه أو رفضه، بل يرى أن كل ثقافة تنتج حداثتها الخاصة وفق شروطها التاريخية والثقافية الداخلية. هذا الطرح مغر ومحرر من قبضة التمركز الأوروبي. لكنه يحمل في طياته خطر النسبية الثقافية المطلقة: إذ قد يفضي إلى أن كل تجربة حداثية "صحيحة" في سياقها، وهو ما قد يخفف النقد الضروري لبعض جوانب الحداثة الأفندية كتعزيزها للأبوية والتراتبية الاجتماعية وإقصائها للمرأة والفقراء.
في النهاية يمثل كتاب "عصر الأفندية" لريزوفا إسهاما تاريخيا وثقافيا استثنائيا يتجاوز حدود الدراسات الإقليمية المتخصصة ليطرح أسئلة حول طبيعة الحداثة وكيفية تشكل الطبقة الوسطى وبناء الهوية في سياقات استعمارية-وطنية. وعلى الصعيد الإبستمولوجي يؤسس الكتاب لشرعية بحثية لمصادر جديدة وطرق تحليل مبتكرة، وهو ما يمثل خطوة جوهرية في تطور منهجية التاريخ الثقافي. وعلى الصعيد التاريخي، يرسخ صورة معقدة وأصيلة لمصر الحديثة لا تختزلها في نخبة استعمارية أو جماهير موضوعية، بل تتيح رؤية الفاعلية البشرية في تفاصيلها اليومية المتشعبة. أما على الصعيد النقدي، فيبقى الكتاب عرضة لملاحظات جوهرية تتعلق بغياب الأصوات النسائية المستقلة، وبالتحيز نحو النجاح والإيجابية في رصد الظاهرة الأفندية، وبطموح التأطير النظري الواسع الذي قد يطغى أحيانا على الدقة التاريخية التفصيلية.
لكن الأهم من ذلك كله أن الكتاب يبقي الحوار مفتوحا: حوار حول الحداثة ومعانيها في السياق غير الغربي، وحول العلاقة بين التعليم والهوية والسلطة، وحول من يحق له الكتابة في التاريخ وعمن. ويعترف الكتاب بحدوده وقيوده، وأن أسئلته تفوق إجاباته في جسارتها وخصوبتها.
في نهاية المطاف يبقى "عصر الأفندية" شاهدا على قدرة التاريخ الثقافي حين يكتب بحرفية وطموح وتواضع فكري على استعادة أصوات الماضي بعيدا عن الوثيقة الرسمية، وإعادة وضع الإنسان في التاريخ بكامل تعقيده وتناقضه وجماله.
Displaying 1 of 1 review