كتاب ممتاز يغطى جوانب غير تقليدية عن واقع المجتمع المصري في فترة حكم محمد على و يعد نافذة ممتازة على الأفكار و العادات السائدة في مصر في ذلك الوقت و كيفية تعامل المصريين مع المرحلة الإنتقالية في علاقات السلطة و المجتمع التي كانت تمر بها البلاد.
أعجبني توغل الكاتب في تفاصيل الحياة المصرية و خاصة الجزء الذي وصف فيه الحياة الإجتماعية (مثل الوزاج و غيره) و الجزء الخاص بتكوين الجيش.
النقطة السلبية في الكتاب هي أن كلوت بك لم يستطع تجاوز تحيزاته السياسية و الفكرية الغربية و افصح عنها بصفاقة و استعلاء أحيانا مثل مدحه دائم لمحمد علي و ابنائه و فخره بالحملة الفرنسيةو الإعجاب بكل ما هو اجنبي.
توافرت معرفة بمصر والمصريين للدكتور كلوت بك أكثر من غيره وذلك بسبب قربه من مركز الحكم (محمد علي وأبناءه) وكذلك تدخله بحكم عمله كطبيب في حياة المصريين، ومعرفة أدق تفاصيلها وهو ما لم يكن متاحا لأي سائح أو زائر آخر بطبيعة الحال. أضف إلى ذلك لفترة إقامته الطويلة التي زادت عن خمسة عشر عاما قبل البدء في كتابه. وهو يبدو شديد الإعجاب بمحمد علي وشديد الاعتداد بنابليون وجنود حملته على مصر ويرى أن (العناية الإلهية هي التي دفعت بالفرنسويين إلى التدفق على البلاد الإفريقية) ويعتبرهم بداية النهضة التي أكملها محمد علي. ومع اعتداده الشديد بدينه وقوميته التي تظهر جلية في مواضع متفرقة من الكتاب نراه يتكلم عن المصريين بحب واحترام ويرى أنهم شعب خليط من كل شعوب العالم حيث إن مصر صارت كبوتقة تنصهر فيها كل الأعراق. متحفظا على كل فئة من فئاتهم بصفة لا تعجبه، فهو يصف الأتراك بالتكبر على عموم الناس باعتبارهم الطبقة الحاكمة، ويصف مسيحيو مصر بالمنشقين وحسب فهمي فهو يقصد خروجهم على الكنيسة الغربية، ويتكلم عنهم بغير حب ولا ود، ويرى اليهود متصنعين للفقر يدعون المسكنة، والمصريين أو العرب كما يسميهم يميلون إلى الكسل وحب الراحة وجلسات السمر. يتكلم عن مشكلة الرق وجهود الوالي لوقفها لكنها تحتاج إلى سنوات من الإصلاح، وفي أثناء كلامه عن الرق يتكلم عن الفرق بين الرق في العالم الغربي حيث النظر للعبد باعتباره من المتاع والرق في الشرق حيث النظرة تختلف كليا فهي تشبه البنوة أو الإخوة في الدين حسب وصفه. ويأتي لمشكلة أخرى وهي الجب/ الخصي، ويصف كيفية القيام بها بأدق التفاصيل حيث يموت ثلث من تُجرى عليهم العملية، بالطبع تزعجه جدا تلك المشكلة ويطالب بالوقف الفوري لها، ويتهم مجموعة من مسيحي الصعيد في تثبيتها في المجتمع المصري للتربح من ورائها. يتكلم عن الإسلام بكل حيادية حتى أنه ينفي عن نفسه كونه من الداعين لهذا الدين. وبما أن الكتاب موجه أساسا إلى القارئ الفرنسي فهو يتوجه بالخطاب إليه موجها له اللوم عما يحدث من الذين يأتون لمصر بغرض السياحة والمتعة فيراهم متشبعين بالعنصرية وأول ما يشترون من مصر هو الكرباج بحكم ما سمعوه عن كسل المصريين، ثم يشترون عبدة بغرض الجنس ويتركونها عندنا يرحلون لتكون فريسة الفقر والحاجة فلا تجد إلا سبيل الدعارة لتجد ما تأكله. وآخرون ينتابهم الإعجاب لدرجة الدروشة! فيمشون حفاة لابسي الملابس العربية ويحضرون جلسات المتصوفة والاعيب الحواة. والقلة المنضبطة التي تأتي بغرض (العلم والتأمل في مهد الحضارة في العالم) والوصف له طبعا. لم يترك الرجل في مصر شيئا إلا وتكلم عنه من التاريخ إلى الجغرافيا حتى الأمراض والنباتات مروروا بالتركيبة السكانية وعادة الحزن والفرح وتفاصيل الحياة اليومية. لدرجة انه خصص بابا باسم(طرق الرقاد والنوم)! كنت سعيدا وأنا أقرأ الجزء الأخير من الكتاب والذي كتبه أحد طلبته عن حدث يبدو الآن غريبا وهو عندما أختار البك اثتى عشرة طالبا من مدرسته في ابو زعبل وذهب بهم بطلب من محمد علي لاختبارهم في فرنسا وهناك اهتمت الصحافة الفرنسية بالحدث فتقاطر على الجلسة اكابر أطباء الجمهورية الفرنسية وتم إختبار الطلاب في جلسة علنية وبردودهم الوافية صفق الحضور مرارا إعجابا بما يرون. في النهاية سواء اتفقنا بالكلية مع ما جاء بالكتاب أو تهتلفنا مع بعض ما ذكر إلا أنه يظل وثيقة تاريخية كتبها رجل حاول أن يكون منصفا ومحايدا وشاهد عيان على أحداث حصلت في ربع قرن
من أكتر الكتب اللي بتتكلم عن وصف مصر اللي للأسف مخدتش حقها رغم انه يعتبر من أكثر الكتب من النوع ده اللي تستاهل الشهرة. المميز في الكتاب ده إن المؤلف عاش في مصر فترة طويلة جدًا؛ وده عكس معظم المؤرخين عن مصراللي غالبًا فترة إقامتهم في مصر مكملتش 3 سنين ودي متعتبرش فترى كافية لفهم كل تفاصيل الحياة في مصر. ده غير إنه شاف مصر من زوايا مختلفة، يعني كان في قلب السلطة بحكم قربه من محمد علي فشاف الوضع السياسي من فوق، وفي نفس الوقت معزم شغله كان مع عساكر أو طلاب الطب فكان فاهم فكر عامة الشعب، فده بيدي مصداقية كبيرة لكلامه. ممكن ناس تعيب على الكتاب إن المؤلف مكنش حيادي خاصة بسبب مديحه الكتير وسط الكتاب لمحمد علي أو لنابليون وللحملة الفرنسية، بس من وجهة نظري ده ميقللش من قيمة الكتاب، المؤلف طبيب بيكتب وجهة نظره ولم يدعي انه مؤرخ حيادي.