إن الرسائل الصوفية الحراقية محورية في بيانِ المعالم الكبرى التي تُميز التصوف المغربي في كليته، وفي بيان أصوله الدينية التي يقوم عليها، هذا فضلاً عن كونها من عيون أدب التوجيه التربوي الخلقي؛ بسبب تحقيقها لأدبية النص الرسالي، وبلاغة التأثير والإقناع.
لقد ارتبطت موضوعاتُ الرسائل كلها بقضايا التصوف السلوكي العملي الداعي إلى التخلق والتحقق، وموضوعاتها تُفصح أيما إفصاح عن عقيدة الشيخ الحراق الأشعرية، وعن مذهبيته المالكية وتصوفه الجنيدي؛ وتلكم هي الثوابت الدينية لهذه الأمة، التي تشكل وحدتها العقدية والمذهبية والسلوكية والسياسية. وإننا اليومَ أحوجُ ما نكون إلى إحياء هذا النموذج الديني المتفرد، عتيد البنيان، وطيد الأركان.
هو الشيخ سيدي محمد الحراق، العلامة الإمام الشاعر، الشيخ الجليل، مربي السالكين، ومرشد المريدين إلى طريق الله، جمع بين علوم الشريعة والتصوف والأدب، فكان بحرا في التفسير والحديث والفقه، كثير التدريس للتفسير،يعقد له مجالس خاصة بالجامع الأعظم بمدينة تطوان حفظها الله. عاش النصف الأول من حياته مشتغلا بالعلوم الدينية، فقيها متمكنا من الفقه، عاملا على نشره وتعليمه، إلى أن يسر الله له سلوك طريق التصوف على يد الشيخ مولاي العربي الدرقاوي، فدخل طريق القوم التي أصبح فيها علما من أعلام التصوف الكبار، يقارن فيه برجال الطبقة الأولى ممن جمعوا بين الشريعة والحقيقة، وتمكنوا من التوفيق بين الظاهر والباطن، أرسل الله على موهبته ولسانه وقلمه الشعر الفياض عميق المعاني، بديع الصور، جميل الصياغة والأسلوب، فشاع وانتشر بين الناس، وتغنى به المعجبون في مشارق الأرض ومغاربها، وكان في هذا الباب بالنسبة للمغرب، كابن الفارض بالنسبة لمصر، وكان كلاهما في الشعر الصوفي كالنموذج الواحد الذي لا نظير له في العالم الإسلامي. (maghress.com)