يُعَدّ هذا الكتاب من أعظم الكتب التي ألّفها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث قال عنه ابن القيم: (وإنه كتاب لم يَطْرُقِ العالَمَ له نظيرٌ في بابه). وقال عنه ابن عبد الهادي في ((العُقود الدّرِّيّة)): (وهو كتاب حافلٌ عظيمُ المِقدار، رَدّ الشيخُ فيه على الفلاسفة والمتكلمين). فهو كتاب يبحث في علم الكلام والعقائد وتوحيد الله سبحانه وتعالى، ويرد بقوة على القائلين بوجود تعارض في النصوص مع العقل، الأمر الذي قَرّره بعض المتكلمين والفلاسفة. فيقوم المُؤلِّف بإيراد الأدلة السمعية، ثم يبرهن على إفادتها القطع واليقين، ومن أهم المواضيع التي طرحها في كتابه هذا مسألة العلو والجهة، والمَعاد، والتنزيه عن الشركاء، وحدوث العالم، والاستواء، وغيرها من المواضيع العَقَدية المُهِمّة جداً. والمُؤلِّف هو شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي (661-728ﻫ)، ولد في حران، وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر، سُجِنَ وأُطلِقَ أكثرَ من مرّة، ومات معتقلاً بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته، كان كثير البحث في فنون الحكمة، آيةً في التفسير والأصول، داعيةَ إصلاح في الدِّين، فصيحَ اللسان، قلمُه ولسانُه متقاربان أما تصانيفه فربما تزيد على أربعة آلاف كراسة، وقيل أنها تبلغ ثلاث مئة مجلد، منها: (السياسة الشرعية)، و(الفتاوى)، و(منهاج السنة)، و(رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، و(التوسل والوسيلة)، و(نقض المنطق)، و(السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)، وغيرها الكثير. بيانات الطبعة الأصلية: طبع هذا الكتاب عن الطبعة الأصلية المعتمدة، والمطبوعة في المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1321ﻫ.
أَبُو العَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ النُّمَيْرِيُّ الحَرَّانِيُّ الدِّمَشْقيُّ (661- 728 هـ / 1263- 1328 م) المشهور بلقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. هو عالم مسلم؛ فقيه مجتهد ومحدِّث ومفسِّر، من كبار علماء أهل السنَّة والجماعة. وأحد أبرز العلماء المسلمين في النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري. نشأ ابن تيميَّة حنبلي المذهب فأخذ الفقه الحنبلي وأصوله عن أبيه وجدِّه، وصار من الأئمَّة المجتهدين في المذهب، يفتي في العديد من المسائل على خلاف معتمد الحنابلة لما يراه موافقًا للدليل من الكتاب والسنَّة ثم لآراء الصحابة وآثار السلف.
وُلد ابن تيميَّة سنة 661 هـ / 1263 م في مدينة حَرَّان لأسرة علمية، فأبوه الفقيه الحنبلي عبد الحليم ابن تيمية وأمُّه «سِتُّ النِّعَم بنت عبد الرحمن الحَرَّانية»، ونشأ نشأته الأولى في مدينة حَرَّان. ثم عند بلوغه سنَّ السابعة هاجرت أسرته إلى مدينة دمشق بسبب إغارة التتار على حران، وكان ذلك في سنة 667 هـ. وحين وصول الأسرة إلى هناك بدأ والده عبد الحليم ابن تيمية بالتدريس في الجامع الأموي وفي «دار الحديث السُّكَّرية». نشأ ابن تيمية في دمشق على طلب العلم، ويذكر المؤرِّخون أنه أخذ العلم من أزيدَ على مئتي شيخ في مختلِف العلوم، منها التفسير والحديث والفقه والعربية. وقد شرع في التأليف والتدريس في سنِّ السابعة عشرة. بعد وفاة والده سنة 682 هـ بمدَّة، أخذ مكانه في التدريس في «دار الحديث السُّكَّرية»، إضافة إلى درسِه في تفسير القرآن الكريم بالجامع الأموي، ودرَّس «بالمدرسة الحنبلية» في دمشق.