كتاب جيد جدا كتوثيق للفترة التاريخية القريبة لكوسوفو، قرأته طمعا في أي معلومة عن تلك الدولة، فإذا بي أفاجأ بكاتب حسن الاطلاع، جيد المصادر، شديد الإنصاف جدا جدا .. فالمطلع على التاريخ الكوسوفي يعي جيدا سوء الأوضاع، والعنصرية المقيتة من الصرب تجاههم، ومع ذلك لم يكن من المؤلف إلا النقل المتريث من المصادر الموثوقة ومن عدة أطراف.
رأيت في كوسوفو قدسا أخرى، إلا أن قضيتها نوعا ما انتهت بالربح مقارنة بحال القدس اليوم.
التشابه كان في كثير من المراحل التي مرت بها فلسطين من تأجيج مشاعري وأيدلوجي تجاهها، فقد وصفها الصرب بأنها "أورشليم أوروبا" -فجأة ودون سابق إنذار أصبحت عزيزة عليهم وتعود ملكيتها لأجدادهم تلك الأرض التي يشكلها ٩٥٪ من الألبان المسلمين فجأة أصبحت ذات جذور مسيحية وصربية :)-، ثم بعد ذلك الحقارة الصربية في تهجير أهلها، ومن ثم توطين للغاصب المحتل فيها بتقديم العروض على الأراضي الكوسوفية، وإسقاط الضرائب عن كل ممتلك صربي للأرض فيها، ناهيك عن التضييق الخشن بالحرق والقتل والإعدامات لأهلها، أو الناعم بعدم قبول شهادات التعليم الكوسوفية، والتضييق الاقتصادي، وعدم الاعتراف بسيادة الدولة بكل المجالات.
كانت المقاومة الألبانية من الكوسوفيين على مستويات مختلفة، فإبراهيم روغونوفا كان يسعى لتدويل القضية واستعمال الطرق الدبلوماسية عبر اللقاءات الدولية مع الدول العظمى، وقد أثمرت تلك اللقاءات في جوانب ولم تثمر في أخرى، والحق أن الاعتراف بكوسوفا وبمآسي المسلمين فيها كان موجودا، لكن للأسف الدول الكبرى لا تحترم ولا تخشى إلا الأقوى، فرغم اعترافهم وتقريرهم لما حدث إلا أن ذلك لم يفض إلا لقرارت تخص الجوانب الإنسانية فيما يخص التعليم والصحة ونحو ذلك، أما الاعتراف الرسمي بدولة كوسوفو فلم يحدث لقوة الطرف الآخر وعلو صوته، واستعماله الأساليب القذرة التي اعتدناها من طرح ورقة الخوف من الإسلام وانتشاره في أوروبا والأصولية الإسلامية ونحو ذلك من المبالغات الإعلامية.
الجدير بالذكر والشارح للصدر هو المقاومة العظيمة من الألبان، فتخيلوا أنه وفي وسط عدم الاعتراف بدولتهم وشهاداتهم التعليمية على مستوى العالم، وإيقاف التعليم رسميا بمناهجهم، بل ومحاولة الصرب اللامبالية للـ٩٥٪ بإقحام مناهجهم وتعليمهم الخاص في تلك الدولة على أنه الرسمي، كل ذلك لم يزد الألبان إلا مقاومة شعبية، فكان الألبان المتفرقون على الدول من حولهم يقتطعون من أموالهم ورواتبهم ما يكفي لتمويل التعليم الكوسوفي واستمراره، وكان التكاتف على أشده من الشعب مع عدم وجود دولة تمثلهم.
مع حدوث الانتفاضة في فلسطين وانتشار صيتها عالميا، هزت تلك الانتفاضة مظلومي العالم، ومن ضمنهم الكوسوفيين، فاشتعلت شرارة الانتفاضة الكوسوفية، والتي أسموها كذلك بـ"الانتفاضة" تيمنا بانتفاضة فلسطين، وتكون فيما بعد "جيش تحرير كوسوفو" لتكون النواة لتحرير كوسوفو واستعادة سيادتها، فكما ذكرت القوى العظمى لن تسمع صوتك حتى تطلق الرصاص، ولن تراك حتى تحمل السلاح.
كانت النهاية شبه سعيدة إذ حصلت كوسوفو على استقلالها، لكن الكره الأوروبي للإسلام قائم وإن استبدل الصليب بتمثال الحرية، فرغم اعترافها بدولة كوسوفو إلا أنها أكدت واشترطت النظام العلماني، وتوزيع الكراسي البرلمانية على الأقليات الكوسوفية توزيعا مجحفا بالنظر لنسبة المسلمين الكبيرة جدا والتي توجب لهم حق امتلاك جل الكراسي إن لم يكن كلها، لكن ماذا يملك المرء مع ضعفه وقلة حيلته، فما حدث من اعتراف كان بحد ذاته مفرحا لا سيما مع ضعف الحال الإسلامي اليوم.
كتاب جيد جدا في توثيق تلك الفترة، اعتمد على مصادر متنوعة وبعدة لغات، وذكر مصادر أخرى للاطلاع، ينصح به جدا للمهتم بتلك الفترة، لاسيما التفاصيل المرحلية التي مرت بها كوسوفو مع المصادر.