أدرك أن قراءة هذا الكتاب صعبة بعض الشيء , إلا أنها رحلة من المتعة للتعرف على حكاية القراءة .. قبل تاريخها , فالفصول المتتابعة مثيرة لشخصٍ إعتاد أن يتنقل في قرائاته من كتابٍ لكتاب , دون أن ينظر للطرف الآخر من الكتاب الملقى على الجانب البعيد من الطاولة , كذلك الحال معي .. فقد قرأت داخل فصول هذا الكتاب شيئاً مني , كأنني كنت أعيد قراءة ذاتي بصوتٍ عالي على جمهور كبير ينصت ليّ بمتعة حقيقية .
في الجزء المعنون بـ "الصفحة الأخيرة" شعرت أنني أقرأ تجربتي مع القراءة بالذات , وكأنني أنا الذي إخترعت تلك السيرة ودونتها على الورق , فكل المشاعر التي كان يمر بها "آلبرتو" كانت شبيهة بمشاعر سبق ليّ أن مررت بها وأنا واقع تحت اسر الجمال المنهمر من الكتب التي كنت أقرأها , إنها فعلاً تجربة حقيقة ومذهلة في الطريقة التي إستطاع فيها إعادة صياغتها وتقيمها ليخرج لنا من ذلك بحقائق لم نكن لنلقي لها بالاً ونحن ضائعون بين بهجة الكتب التي تسقط بين أيدينا .
في فصل "القراءة بصمت" أدهشتني حقيقة أن القراءة الصامتة كانت تعتبر فعلاً غريباً وغير مسبوق في العصور القديمة , وقد تعتبر في بعض المجتمعات في السابق بمثابة خطيئة تؤدي بالقارئ للغوص في خيالات جامحة , كذلك الطريقة الأولى للكتابة .. وكيف أن النصوص المكتوبة كانت تأتي أحرفها متصلة ببعضها البعض من غير فواصل ولا تنقيط ولا مسافات , الأمر الذي كان يجعل من القراءة بصوت عالي ومسموع أمراً يطور من وظيفة الأذن أو السمع لدى القارئ لتفكيك النص وقراءته بالطريقة الصحيحة وإستخلاص المعاني المقصودة منه للجمهور المستمع , كذلك أشكال القراءة حسب لغة النص المقروء حيث تقرأ الإنكليزية من اليسار إلى اليمين والعربية عكس ذلك والصينية من فوق إلى أسفل ..إلخ .
في فصل "كتاب الذاكرة" أحببت الحديث الذي دار حول أن الكتاب بالسابق كان يعتبر تهديداً للذاكرة , وسبيلاً للوقوع في مصيدة الإتكالية والكسل , والمفارقة الحاصلة بين ذاك الوقت ووقتنا الحالي فقد أصبحنا في هذا الوقت نوكل مهمة حفظ المعلومات لِجهاز الحاسوب علماً منا أننا سنجدها جاهزة وقت ما نريد , في حين أنه في ذاك الوقت كان المرء يعتبر ذاكرته بمثابة كتاب مفتوح يتلقى فيها كل ما يشتهي من علوم ويحرص على حفظها فيه حتى يرجع لها وقت ما شاء , لذلك كان ينظر للكتب في بداية ظهورها مجالاً لقتل تلك العادة أو الطبيعة المتبعة في ذاك الوقت من الزمن .
في الفصل المعنون بـ "تعلّم القراءة" كان الحديث متمركزاً حول المعلم وكيفية تلقين تلاميذه عادات القراءة وأساسياتها , لكن ما جذبني في هذا الفصل هو الجدلية القائمة من أيام حكم الكنيسة حول تعليم المرأة وأن تعليمها لا يعتبر شيئاً أساسياً إلا إذا كانت ستسلك مسلك "الرهبنة" بخلاف الذكور . كذلك إرتباط "الكتاب" و "عصا البتولا" بالمعلم , الأمر الذي شكل له هذة الصورة في عقلية المجتمع على مدى مئات السنين .
في فصل "الصفحة الأولى المفقودة" كان الحديث حول عادات "كافكا" مع القراءة , والجميل في هذا الفصل هي الإقتباسات المتعددة من أقوال "كافكا" , حيث كانت إقتباساته حول مهارات القراءة والكتب رائعة وفيها من الحكمة الشيء الكثير , لكن ربما أكثر ما أثارني في هذا الفصل هو الحديث الذي دار حول أن كل نص يمكن قراءته كنص مجازي , كذلك أنه على القارئ أثناء قراءته لأي كتاب أن يكون لديه خلفية ولو بسيطه عن الشيء الذي يقرأه , طبعاً هذة النقطتين بغض النظر عن مدى صحتها من عدمه وجدت في نفسي شيئاً من القبول والتأمل .
إستمتعت كثيراً في فصل "القراءة على الآخرين" كان فصلاً جميلاً ومملوءاً بقصص شتى حول القراءة على الآخرين في الإجتماعات الخاصة أو الرسمية وغيرها , كذلك أحببت قصة العمال وكيف أنه كان لها تأثيرها الكبير في تطور هذة الخاصية التي أصبحت تتمتع بها هذة المجتمعات فيما بعد وكيف أن هذة القراءات قد طورت بشكل كبير من فكر العمال ونقاشاتهم وفتحت عليهم مسالك أخرى في الحياة لينظرون منها للأمور بشكل مختلف , ايضاً حكم الدولة على مثل هذة العادة أو الخاصية بـ "تخريبية" وكيف أن الحكومات دائماً تسعى لحبس مواطنيها العاديين في الظلام خوفاً من وصولهم للنور وأن تتفتح عيونهم وعقولهم على أمور تهدد وجود هذة الحكومات , الفصل هذا كان مليء بإقتباسات جميلة ومؤثرة , لكن هناك حقيقة أتفق معها جاء في هذا الفصل ذكرها وهي كما جاءت في سياق الكتاب "كنت أنظر دوماً إلى الروايات كمنتوج تافه , إلاّ أنني اكتشفتُ أخيراً أنها مفيدة للغاية ضد الكآبة" أظن أن هذة العبارة كانت صادقة بشكل كبير .
أعتقد أن أمتع فصل قراءته هو فصل "القراءة الوحدانية" فقد إستعرض فيه الكاتب قصص عدة لشخصيات كثيرة يستعرض فيها أحوالهم وعاداتهم مع القراءة والأمكنة المفضلة لقراءة كل كتاب , فكان هذا الفصل لذيذاً بالطريقة التي كانت تأتي فيه القصص متتابعة وتجعلك مندهشاً من المسالك التي كان يسلكها كل شخصية من هذة الشخصيات في سبيل قراءة كتابٍ ما , كذلك أثارتني النقطة التي تحدث فيها حول أن الأسّرة الوثيرة والكتب كانت تعتبر من مظاهر الثراء الإجتماعي , وكل ما جاء على ذكره حول أسرة النوم ومدى تأثيرها على نفسية القارئ .
إستمتعت ايضاً في فصل "القراءة خلف الجدران" حيث تم في هذا الفصل مناقشة قضية حصرّ كتاب ما بفئة معينة من المجتمع , كالكتب المخصصة "للفتيات" أو "للفتيان" , الأمر الذي يجعل ق��اءة الجنس الآخر لها أمراً معيباً في أوساط المجتمعات القديمة وربما الحالية ولكن بنسبة أقل , ما لفت نظري في هذا الفصل حقيقةً هو القصص التي ورد ذكرها عن الطريقة التي كانت تتعاطى فيها "نساء البلاط الملكي" مع الأدب أو الروايات النسوية أو كتب العلوم الأخرى , وكذلك الطريقة التي كان يصنف فيها الأدب واللغة كأدب "ذُكوري" ويقصد به (الشؤون الحربية , والفلسفية , والعامة) وأدب "أنثوي" ويقصد به ( المبتذل , والمنزلي , والشخصي) , وما دار في ذلك الفصل من تحليلات حول وضع المرأة مع الأدب والإقتباسات المتتابعة حول هذة الظاهرة .
فصل "القراءة الممنوعة" كان من الفصول اللطيفة .. التي راقت ليّ , حيث تناول الكاتب في هذا الفصل قضية منع الرق قديماً من تعلم القراءة خوفاً من وقوع التمرد على أصحاب السلطة نتيجة تنوير عقولهم بالقراءة , حيث أن الكلمة المقروءة ذات تأثير عالي على النفس البشرية , كذلك تحكم أصحاب السلطة والحكومات بالكتب التي يتداولها الشعب , خوفاً من وصول أفراد الشعب إلى كتب يكون في محتواها تهديد من نوعٍ ما لأصحاب السلطة يدفع بقراءه للتمرد عليهم .
لا أنكر أن الكتاب كان مملاً في بعض جزئياته , إلا أنه قدم حقائق مذهلة وجديدة .. ربما شعرت بالملل في الجزئيات التي كانت تتحدث عن أحداث تاريخية لم يكن ليّ بها علم مسبق لا بطبيعة الحدث ولا بشخصياته مما جعله غير مهم في نظري , ومجرد حشو زائد , لكن مع ذلك لن أنكر حقيقة أن بعض الأحداث التي جاء على ذكرها وهي كثيرة كانت مثيرة بالنسبة ليّ , فشعور الغوص فيها لأول مره بحد ذاته ممتع ومشوق , بغض النظر عن مدى تأثير هذا الحدث على عصر الكتاب الحالي وشكل القراءة المتبع في وقتنا الحاضر .
ايضاً الكتاب لم يتدرج فقط في مناقشة أساليب القراءة وطريقة تطورها كثقافة في المجتمعات الماضية والحاضرة , بل كان يمتد ليناقش تاريخ تطور شكل الكتاب ومدى تأثير تصميمه وطريقة طرحه في الأسواق على نفسية القارئ , أي أن الكتاب كان بكيانه مجال نقاش وتقييم في بعض ما جاء في سياق هذا الكتاب , حيث تمت مناقشة تاريخه وطريقة تطوره وصولاً لشكله الحالي والمتعارف عليه في وقتنا الحاضر .
بعدما تفرغ من قراءة هذا الكتاب ستدرك أن القراءة ليست مجرد فعل محصور في أسلوب تعاملك مع الكتاب , بل أنها عملية وتجربة تمتد بك لتؤثر في كل محيطك وماضيك كما هو الحال مع حاضرك , حيث ستتفتح عيناك على أشياء لم تدركها سابقاً في حالك أثناء قراءة كتابٍ ما , وسترتبط أكثر فأكثر بفعل القراءة وتأثيرها النفسي عليك .