عندما لمحت الإسم بين أرفُف الكُتُب في المكتبات و لم أكن أعرف الكاتب حينها, شعرت أنه كتاب مختلف, ليس بالضرورة أفضل لكنه مختلف عن الكُتُب حوله التي تدعو لكل شئ في الحياة بإستثناء السلام! لكني كُنت متخوّفه من أن ينقلب السحر على صاحبه و لا أجد أكثر من رواية تنتمي لعلم التنمية البشرية الذي أصبح سيد الموقف في الاعوام العشرة الأخيرة, حتى إكتشف الناس أن قراءة الحياة في روايات و أعمال درامية و الإستفادة من تجارُب الآخرين أكثر نفعاً من مجرد قراءة بعض القواعد و الجُمل التشجيعية, حتى بدأت في قراءتها و بدأ السِحر الذي ما إنتهى أبداً...
تعمدت قبل أن أكتب إنطباعي عن الرواية ألا أقرأ أي ريفيو عنها حتى أسرد رأي لا يشوبه التأثُّر, في الحقيقة هي لم تكُن رواية, كانت روايتين, أو رواية في رحِم رواية, في البداية كُنت مُشتته بين مشاهد بدت لي مُقطّعه لكنها مُترابطة في نفس الوقت, كُنت مستمتعة بهذا الكم من المشاعر السلبية و الواقعية الوقحة التي تحاوطنا من كُل إتجاه و تنهش أحلامنا, كُنت سعيدة و أنا أقرأ حياة إنسان من لحم و دم و ليس بطل الأوراق المُتألّه, إنسان بكل عذاباته و خوفه و أنانيته و كِبره و ضعفه, حاول الكاتب أن يجعلني أكرهه, أو أتعاطف معه, لكني ما كرهته و لا تعاطفت, كنت أشعر أنه نموذج إنساني مُتخبِّط, و كنت أخشى عليه كثيراً, أؤنّبه و أتمنى أن أدخل الأحداث لأكون معه و أسانده...قليلة الروايات التي اتمنى الدخول بأحداثها
في الجزء الثاني, أو الرواية الثانية, و أشيد بالكاتب أن إنتقاله بين الأحداث كان سلس حد أنني لم أنتبه لكون الرواية شقّين من الأحداث إلّا بعد إنتهائي منها, كانت مُفاجأة أخرى تنتظرني, شعور آخر, لا تسعني الكلمات الضيّقة أن أُعبّر عنه, لكي تعلمت دون مُعلم و إستفدت دون النصائح المُباشرة التي تُسبب لي الضجر, حاولت أن أذكر بعض الجُمل التي أثّرت بي, لكني وجدت أني سأكتُب الكثير هُنا , الفكرة ليست فقط في أسلوب الكاتب الذي يُشبه الخطوط المستقيمة يصل إلى عقلك و إدراكك بسهولة, و ليس في لغته الجذابة التي تُغريك ببساطتها أن تغوص في عُمق الفكرة دون المزيد من الزخارف و الألوان, لكن الفكرة هُنا في هذه الروح التي خلقها الكاتب لتُسيطر عليك مع كُل حرف, عادة لا تجذبني كثيراً الكتابات الوهمية, لكن أن يخلق الكاتب من الوهم حقيقة شئ مُثير للإهتمام و الدهشة, في هذا الشق من الرواية لم أضع نفسي مكان البطل حتى لا أجزع أو أرفض, كنت فقط أراقبه في إنتظار و لهفة, و كنت سعيدة بمكان الأحداث الذي يُثير في نفسي الحنين الدائم و يبعث روحانية تُشكّلني من جديد.
في الربع الأخير كنت ألهث, قرأته كله دفعة واحدة, على عكس الجزء السابق الذي كُنت أتلكأ فيه و اعيده و أزيده حتى لا ينتهي, بل و أنني راقبت نفسي و أنا أتغيّر لشخصية أكثر هدوءً أثناء قراءتي له..,فكّرت أن أنقد الكاتب على شخصياته النسائية التي أتت باهته من وجهة نظري, حتى إنتبهت أن البطل هُنا ليس الرجل أو المرأة, البطل هو الإنسان و قدرته على الحفاظ على سلامه النفسي, بعض الإسهاب في جزئية غرفة الولادة, لم يضايق إمرأة مرّت بالتجربة مثلي , لكني خشيت أن يُضجر قُرّاء آخرين, الحبكة كانت رائعة, و الترنيمة تسللت إلى نفسي, لا أنكر أبداً أن السلام عمّ وجداني و أنا أقرأ, أسعدني عنصر التشويق و المفاجأة الذي إستخدمه الكاتب حتى لا يجعلنا ننتهي هكذا ببساطة و سلاسة مثل الأحداث, إنتهيت لأبدأ من جديد, لأستعيد الأحداث مرّة أخرى, إنتهيت و أنا أُقرر أن اقرأها مرات أخرى, إنتهيت و أنا راضية مرضية.
بعض الأعمال تعيش معنا, تُلهمنا و بعض الشخصيات تبقى في ذاكرتنا
هكذا كانت ترنية سلام و هكذا كان خالد محمد عبد الدايم محفوظ