الرواية بدأت مبهرة .. تحكي حكاية من ألف عام .. حكاية تكررت كثيراً في مصر ولازالت تتكرر حتى اليوم .. لم يزعجني توقف الكاتب فيما بين الفصول ليعطي مشهداً خلفياً عن أحداث تاريخية أو قصص فلسفية تعكس كرم الكاتب مع قرائه وإهدائهم بعضاً مما قرأ ..
انتقلت الرواية بعد قص حكاية الأبطال الثلاثة ومن أين أتوا لتكون رواية غريبة فيها كل المتناقضات .. برغم اللغة السوقية الفجة والتفاصيل العديدة المثيرة للغثيان وبرغم عدم خلو أي صفحة من احتقار المؤنث .. احتقار عنيف للمؤنث .. برغم كل ذلك رصد الكاتب عنصرية وطائفية الشعب المصري .. عدم تقبله للآخر المختلف .. خنوعه لمن ملك السيف وكان قادراً على البطش .. رصد الكاتب حشرية المصريين وحرصهم الدائم على التلصص والتدخل في شئون الآخرين وعادة ما يكون ذلك باسم العرف والدين .. تعنت المصريين مع المختلف ورفضهم التغيير حتى ولو للأفضل ..
نسج الكاتب شخصيات غنية مثيرة للجدل .. سي العربي وسوا سوا والشيخ بطيخة والمؤذن الأصفراوي .. شخصيات تعكس كل عيوب الشخصية المصرية وإن كان قد حاول أن يسير على درب نجيب محفوظ في سرده لحكايات الحرافيش فقسى عليهم أكثر من اللازم ولم يظهر إيجابياتهم كما سلبياتهم بعكس محفوظ ..
المشكلة الحقيقية تبدأ مع الإصابة بالملل نحو منتصف الرواية .. بعد المنتصف بقليل بدأ ينتابني الملل والضجر ووجدت الكاتب يخطيء في أسماء شخصياته فهو يبتعد عنها جداً ثم يعود إليها بعد أن يكون هو وأكون أنا قد نسيناها .. حتى تصل للنهاية فتجدها إحدى أغرب النهايات السيريالية العجيبة البائسة للأبطال الثلاثة الأساسيين الذين بالوصول إلى نهاية الرواية كنت قد نسيت وجودهم فيها أصلاً .. نهاية أعدها من أسوأ النهايات التي قرأتها في حياتي .. نهاية سيريالية بائسة متعجلة وكأن الكاتب نفسه كان قد أصابه الملل من أبطاله ومن روايته ..
كان اتجاه الكاتب اليساري واضحاً في رسم صورة يوتوبيا حوش سكسكة وكيف يعمل الغني من أجل أن يعول الفقراء يزوجهم ويسكنهم ويطعمهم .. صورة اليوتوبيا الخيالية الغير واقعية الخالية من أي ملمح للعدالة ..
لا تخلوا الرواية من إسقاط سياسي تارة على صدام حاكم الولاية الشرقية وقطط موائده القومجيين الذين باعوا الكلمة والشرف والكرامة بحفنة من الدراهم فقرضوا فيه الشعر ورفعوه فوق كل المماليك الآخرين ..
ولم يترك الكاتب عصر مبارك وسلفه من الإسقاط السياسي وإن وجدت إسقاطاته مليئة بالمبالغة والفانتازيا المستقاة من صحف الأرصفة الصفراء .. المبالغة فاقت حدود الرواية لدرجة أنها أوصلتني أن شعرت أني أقرأ كلمات لشخص يضحك على عقلي بطريقة مثيرة للاشمئزاز ..
برغم أن النسخة التي في يدي مكتوب عليها طبعة أولى في عام 2006 إلا أني أعتقد أن الرواية تمت إعادة تنقيحها في وقت ما بعد يناير 2011 ..
الرواية تحكي ببساطة حكاية مصر الولاية المملوكية بطريقة تجعلك تتساءل ما إذا كان المماليك قد تركوا مصر أبداً .. هل حقاً تركوها ؟ أم أنهم تركوها ولكن هي لم تتركهم .. تركوها بعد أن تركوا فيها ثقافتهم مطبوعة على جينات المصريين .. الرواية جعلتني أشعر أن الثقافة المصرية مملوكية حتى النخاع .. أشعر أن المائتي عام ونيف السابقة منذ الحملة الفرنسية وقيام الدولة العلوية ومن بعدها دولة يوليو التي انتهت في 2011 ما هي إلا قشرة هشة .. تهشمت تلك القشرة الهشة بقلب نظام الحكم لتعود مصر وتكشف عن قلبها المملوكي حتى النخاع ..
لست بنادمة على الوقت الذي صرفته في قراءة هذه الرواية على أي حال ..