من إهداء الكتاب يُعرَف تحيّز الكاتب لبني أمية، وأنه لا يقدم عملاً يرتجي فيه الموضوعية، فيمرُ سريعاً على سيئاتهم دون استيفاء نقاشها, ويطيل في مديح حسناتهم.
إنما في زمانٍ تصدَر فيه السُنّة لمهاجمة بني أمية قبل الشيعة، من المفيد أن نرى الوجه الثاني للحقائق, خصوصاً وأن هذا التهجّم مسعاه تقديم "إسلام" جديد منزه عن أخطاء التراث, إلا أن من أعملوا نقدهم وتفكيكهم في سيرة بني أمية لو نظروا في فترة صدر الإسلام كلها بأشخاصها من النبي وحتى أقرب صحابته -بنفس المنظار- لنفوا عنهم عدالتهم, بل ولو طبقوا مناهج التحليل الحديثة لردوا الدين كلّه إلى نوازع سلطوية ليس فيها قيمة حميدة.
ومما يقوله الكاتب ولو ضمنياً أنه منذ الصراع الأول عقب مقتل عثمان وحتى مأساة الحسين وما بعدها، كان واضحاً أن خُلُق بني أمية أدنى بكثير من أخلاق خصومهم، لكن أخلاق الخصام أو الحرب ليست كل القضية حتى يشنّع عليهم بها ويُعتبر خصومهم أهل الحق، فكلا الطرفين كانا يختصمان على السلطة لاغير, وقد فعل سفاح العباسيين في بني أمية لاحقاً أقبح مما فعلوه هم غدراً وقطعاً للنسل واستحلالاً.
يتداول حديثاً أن طرف العلويين كانوا يناهضون ظلم بني أمية ويحملون مظالم الناس كقضيتهم, في محاولة لتسويق مواقفهم خلال فترتنا المعاصرة, التي لن تزدهر فيها دعاويهم إن كانت ترفع الحق الإلهي فقط, لكن الدعاية المسيئة التي بثها شيعة العلويين عن ظلم الأمويين وقتها ليست دليلاً كافياً على أن القضية كانت مظالم الناس بالنسبة للهاشميّن, إذ كان الحاضر الأساسي الوحيد في كل ثوراتهم أن الخلافة حق مغصوب منهم.
يعدد الكتاب لبني أمية إيجابيات كثيرة منها قيامهم بتأسيس دولة توسعية رغم اضطرابتها الداخلية التي تمكنوا من تجاوزها بنجاح لا أعتقد أن العلويين كانوا قادرين عليه بالنظر في أداء من حكم منهم, وفي تحقيقهم للمصلحة العامة بضبط أوضاع البلاد ما يبرر جزئياً قسوتهم, على أنه كثيراً ما يُبالغ في تدوين تجاوزاتهم وأخطائهم؛ وكذا في صكهم للعملات وتعريب معاملات الدواوين التي تدير الدولة مما يحسب لهم.
ويكفي بني أمية أن أكبر إنتكاسة فكرية للإسلام السني "انقلاب المتوكل" حصلت في عهد خصومهم العباسيين, مما يبرئهم من دعاوي حسن المالكي مثلاً بتحميلهم وزر تخلّف السنة حالياً بفكرهم, فلا هو فكرهم ولا كانت سياستهم.
هي قراءة من زاوية مختلفة لحدث تاريخي, لكن بمعاير الحاضر فليس فيهم ولا في خصومهم ما ينفع الأخذ به, غير أن الاستخدام السياسي المعاصر لقضية خصومهم يضطرنا إلى تفكيك دعاويه من أصلها.