مدينة التراب, مجموعة قصصية يتابع فيها صورة المرأة في مختلف أدوارها ووظائفها يقول الكاتب أحمد بوزفور عن الكتاب: “…هذه الذات التي تمسحها القصة أو تطمسها ولكنها تظل مع ذلك وعلى استحياء من بين ثنايا القصة المتميزة في المجموعة(العلاقات الخطرة). هذه القصة التي يمكن اعتبارها قاع المجموعة أو لا شعورها الخاص…وهي في شكل حوار مكتوب بين رجل وامرأة. والغريب أننا نجد هذه الذات الفردية على لسان المرأة أوضح مما هي على لسان الرجل إلى الحد الذي يمكن أن يقول الكاتب معه (هذه المرأة هي أنا)”ـ
إدريس الخوري ولد سنة 1939 بمدينة الدار البيضاء.عمل صحفياً بجريدة العلم، ثم بجريدة الاتحاد الاشتراكي, إلى أن تقاعد. انضم ايضاً إلى اتحاد كتاب المغرب في أكتوبر 1968
مدينة التراب. ادريس الخوري دار الكلام للنشر والتوزيع الرباط 1988 مطبعة فضالة. المحمدية عدد النصوص: 15. عدد الصفحات: 108 ادريس الخوري الكائن المسكون بالمدينة، كتاباته مرتبطة أشد الارتباط بفضاء المدينة، وقدرته الدقيقة على سرد اليومي بالمدينة يجعل هذه النصوص ترقى الى درجة أكبر من الوثيقة الأدبية والأنتربولوجية والنفسية والتاريخية واللغوية، ذلك أن سرد الخوري يمتاز بتلك المرونة التي تجعله يحاكي الفضاء الذي يعيش به فيصدر عنه بشكل فني وجمالي ووجودي بوعي ثاقب يخترق اللغة نفسها التي يكتب بها والشكل الإبداعي نفسه الذي يكتب من خلاله وهذا الشكل كما يهيء لي هو القصة القصيرة.. القصة القصيرة كما لم يكتبها أحد غير ادريس الخوري، قصص ادريس الخوري التي لا يمكن تعريفها إلا به، فمن النادر أن تجد مثله ممن يكتب خارج النمذجة والقوالب الجاهزة، وانت تحس تمرد الخوري من خلال كتابته الحرة وعدم التزامه بالقواعد الصارمة: البداية والعقدة والنهاية، أو الشخصيات كبورتريهات جاهزة. أول ما يسجله القارئ هو الحضور الطاغي لفضاء المدينة، والمدينة كما يعرفها الخوري، أو كما خبرها وعاشها وتوطدت علاقته الحتمية بها، يسرد ادريس الخوري المدينة وكأنه يتنفس هواءها من خلال مقاهيها وحاناتها ومكاتبها وشوارعها وزواياها وأناسها، يسرد الخوري المدينة بوعي. وهو لذلك يدرك ان المدينة هي المكتب ففي قصة مدينة التراب (ص84) المتحكم في دواليب المدينة هي سلطة المكتب بلا منازع. وبنفس الوعي يطالعنا الخوري من خلال القصة الأولى التي تحمل عنوان ولادة (ص05) ليحلل وضع الإنسان في هذه المدينة فهو يبحث عن عمل سهل بلا جهد وبفائدة كبيرة، فالإنسان في هذا الفضاء مجرد من القيم والمبادئ يبحث عن الربح السريع ولا يرضى سوى بأحط المهن مثل ان يكون مخبرا: "أن تصير مخبرا، هي المهنة الوحيدة التي بقيت في البلد، كل الوظائف الأخرى أغلقت أبوابها لأن ميزانية البلد استهلكت في الأفراح والمسرات." ص10 للمدينة وجه قاتم، بشع وظالم ومظلم وسوداوي في قصص الخوري، ولكل ذلك أسباب وجيهة يصرح بها السرد بالإشارة لا بالتقرير، فالخلفية السياسية مدونة بفنية فضمنيا هناك مخبرون وسلطة إدارية ورقابة مستحكمة، تبرز وتطفو للسطح كسؤال يطرحه القارئ فلا شك أن المناخ السياسي كبح الكثير من جموح الخوري. ولكن المدينة ظاهرة تستحق أن تقرأ من زوايا عدة وبشكل استباقي كما في قصة "ما وراء اللعبة" ص42 التي ترصد حياة اجتماعية بورجوازية ليبرالية بشكل متطرف وبرمزية فنية جميلة يكشف الخوري تشييء العلاقات وانهيار القيم. أما انتقاد الحياة الثقافية في المدينة فقد خصص لها الكاتب نصوص بعينها (ولادة- القصيدة-مدينة التراب- في المتحف) وانك لتجد شخصية المؤلف أو الكاتب في قصة ولادة وقصة مدينة التراب محل مساءلة وتحس أن الخوري أكثر وعيا بروح الكاتب فتشعر بقوة الاقناع في صنع الشخصية وكأن الكاتب المؤلف الوهمي والكاتب المؤلف الحقيقي وجهان لعملة واحدة أو مقبض واحد لباب له وجه خارجي وداخلي. أما في قصة القصيدة وقصة في المتحف فإنك تجد شخصية الشاعر محل سخرية وازدراء، وإنها صورة المثقف النخبوي المتعالي المنفصل عن عالمه. قبل أن نتحدث عن اللغة في هذه النصوص من الضروري الإشادة بالنزوع الميتاسردي الذي يؤطر هذه القصص، وهو نفس ميتاسردي ينسجم مع هوية الكاتب، فهو كاتب بريختي الهوى أميل في الكثيرمن جمله السردية إلى تحطيم الجدار الرابع، ولسنا نجد مثالا ضاجا بهذا الهوى أكثر من النص الأول "ولادة" وفيه محاورة رائعة بين المؤلف والشخصية التي يتخيلها، بل فيه متعة في قراءة قصة تتشكل، وشخصية تتخلق بتحديد شروطها الوجودية، وقلما يخلو نص من نصوص الخوري من هذا الهوس الميتاسردي، ففي جميع الأحوال هناك رغبة دفينة لدى الكاتب وفي كل لحظة وفي كل جملة ليشعر قراءه أنه يكتب، أو أنه يحكي :" نعم لهذه المدينة بؤر متعددة، قال ذلك وكتب ذلك.." ص64 هذا باقتضاب مخل ما يمكن قوله وإلا فإن هذا المحفل النقدي يحتاج وحده دراسة مستقلة. أما اللغة في مدينة التراب فهي في كثير من النصوص أهم من النصوص نفسها، وأنت تقرأ هذه السطور بهذه اللغة المتفردة لا شك توقفك الكثير من الألفاظ والعبارات، فليست اللغة مجرد أداة هنا بل هي ثقافة، كتابة ومعنى وصوت، فهنا ستجد أصوات مثل: كاخ كاخ كاخ.. ضحكة عريضة وأسنان مخززة والقوم لاهون بمسائهم المتشابه.." (ص35) وفي التكرار بلاغة مزدوجة، بلاغة صوتية، وبلاغة معنى، وما أكثر التكرار في الجمل، فهي جمل تقوم على ظهر جمل متشابهة: " لم تتعب المدينة من الغرباء، ولم يتعب الغرباء من المدينة" (ص61) وللخوري ميزة رائعة تتجلى في تفصيحه للدارجة واستعمال الكلمات العامية في النسق الفصيح أو استعمال الكلمات الفصيحة في نسق الدارجة: وقد خنزر المؤلف في السيد باء طويلا (ص9) عين ميكا (ص53) حلم بامرأة ذات بزازل كبيرة (ص63) ترك الرجل بطيخته وقنينة موناداه (ص54) غير فالدنيا وقرقبا الكأسين معا (ص55) كنت منرفزا (ص90) منديل مزوق (ص32) يسمع صوت الغلاقة وقد أزيلت بعنف (ص34) من بين أحشائه خرج الى الوجود طفلان، صبي وبنت، ثم سدينا.." (ص44) أما الشاعر الثاني فكان في دار غفلون" (ص23) وكأن الخوري يوسع مجال اللغة ليفيد منها ثقافيا في حدود المشترك الكبير بينه وبين القراء وكأن لسان حاله يقول "لا تقيدوا واسعا". وكما أسلفنا القول فإن لغة الخوري تعكس ثقافته، فهناك لغة الشعر، ولغة الصحافة ولغة القرآن ولنتأمل هذه اللغة الموظفة في ثنايا السرد: - أجبت: دعيهم يخوضوا ويلعبوا إلى أن يلاقوا يومهم الذي يوعدون (ص81) وهو مقتبس من الآية 42 من سورة المعارج "فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يوهم الذي يوعدون" - أنظر إلى أسنانهم كيف صدئت وإلى أذرعهم كيف قطعت وإلى السماء كيف لوثت وإلى الجبال كيف رفعت والى الصدور كيف نخرت (ص91) وهو مقتبس من سورة الغاشية : " أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت" - وقيل هيت لك (ص55) وهو مقتبس من سورة يوسف الآية 23 " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك" - في الشارع وجوه مستبشرة إلى بعضها راغبة (ص72) مقتبس من سورة القيامة :" وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" الآية 22-23 انها لغة متلونة بكل ما يؤثر من قريب أو بعيد في الكاتب وهو يقصد أن يكون كشافا للغة يكشف الغنى الثقافي المحيط به والمتشبع به في الشعر والأمثال ومن ذلك: "وقالوا له نحن نعرفك جيدا فلا تكذب علينا، الا فانطق وخبرنا اليقينا." (ص7) وهو ما يذكرنا بمعلقة عمرو بن كلثوم وخاصة البيت الشعري: قفي قبل التفرق يا ظعينا///نخبرك اليقين وتخبرينا وتم تضمين الأمثال في أكثر من موضع مثل: اليوم خمر وغدا أمر(ص54) واختلط الحابل بالنابل (ص55) وهذا حري بأن يجعلنا نفهم أن اللغة هي كيمياء ثقافة تتجلى حتى على مستوى التأثر بكتابات وعناوين كتاب سرد مغاربة مثل محمد زفزاف: "ولذلك كان المسؤول يظهر ويختفي مثل ثعلب زفزاف" (ص87) وهذه اللغة المشفرة هي لغة عناوين متون سردية أصبحت مثل الأمثال السائرة. هذه بعض ملامح اللغة الخورية نسبة الى ادريس الخوري فهي لغته التي تفرد بها وبصم بها سرده حتى أنك تستطيع أن تميز كتاباته عن غيرها بسهولة. وأخيرا فهكذا تنكتب القصة القصيرة مع ادريس الخوري، قصة أصيلة، غير متكلفة، لا تخطب ود القارئ، لا تتودد لأجل الابهار، قصص قريبة من مؤلفها، تشبهه وتعبر عنه لكنها متحررة منه، فمنذ النص الأول "ولادة" تشعر بقدرة المؤلف على الخلق مع اتخاذ مسافة من مخلوقاته، قدرته على الوصف بعينيه وبقلبه وبعيون الآخرين وبوعيهم. يكتب أبا ادريس بوعي وبلغة مشحونة بالثقافة.
قرأت هذا الكتاب للمرة الأولى قبل 6 سنوات أو أكثر, لا أذكر منه الكثير, الشيء الوحيد الذي اذكره هو انه الكتاب احتوى قصصاً, بعضاً من البذاءة, وتذكر فيه المومسات بشكل متكرر.. بعد أن قرأته للمرة الثانية, أدركت انه كتاب ينسى بسهولة, لأنه هذا الكتاب لا يحتوي سوى على بعض القصص, بعض من البذاءة, و تذكر فيه المومسات بشكل متكرر..
في الحقيقة, أعجبت بالقصة الأولى, يمكنني أن أقتبس حوالي 5 جمل من القصة الاولى لوحدها, لكن مع توالي القصص فقد الكاتب قدرته على الابداع, بعد قراءة نصف الكتاب بدأت أقفز الصفحات لأن القصص لم تكن مكتوبة بطريقة تشدني إليها..