هذا الكتاب موسوعة تحمل عبر آلاف الصفحات الكثير من أخبار الأدب العربي وأعلامه، والكثير من عيون نصوصه، وما صاحب هذه الأخبار والنصوص من وقائع الحياة العربية حتى عصر الأصفهاني الذي قيل عنه إنه جمعه في خمسين عامًا. ولا تقف المادة الأدبية والثقافية التي يحملها الكتاب عند الشعر والغناء – كما قد يوحي عنوان الكتاب ومدخل تأليفه – بل تمتد إلى كل ما يتصل بحياة المجتمع العربي في كل بيئاته وعصوره إلى منتصف القرن الرابع الهجري.
وخلال ما يزيد على ألف عام قطع «الأغاني» رحلته البالغة الأهمية محدثًا صورًا متنوعة من التأثير. كان في أثناءها مصدرًا لكل ما يتصل بالأدب العربي والحياة العربية. فنقل عنه من نقل، وسعى كثيرون إلى تهذيب نص الكتاب وتيسيره للإفادة منه، بحذف أسانيد أخباره، أو تلخيصه، أو إعادة ترتيب ما جرى عليه التلخيص أو الاختيار. كما قام آخرون بشرح ما ورد فيه من مصطلحات الغناء والموسيقى، كذلك قامت الدراسات حول آراء صاحبه ونظراته في الأدب، ومذهبه في رواية الأخبار، وأحكامه على الأشعار، وحول الآراء النقدية الواردة في الكتاب لغير صاحبه.
ولا شك أن هذه المادة الغزيرة والرحلة الخصبة المؤثرة تجعل من إعادة إصدار «الأغاني» عملًا يرحب به المثقفون في كل مكان.
أبو الفرج علي بن الحسين الأموي القرشي الأصفهاني يرجع نسبه لبني أمية (284هـ/897م - 14 ذو الحجة 356 هـ/20 نوفمبر 967م) من أدباء العرب، صاحب كتاب الأغاني، وجده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ وهو أصفهاني المولد بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها ومصنفيها، وروى عن كثير من العلماء، وكان عالِماً بأيام الناس والأنساب والسير، وله أشعار كثيرة. أخذ العلم عن علماء بغداد والكوفة وأهم علمائه أبي بكر بن دريد ومنهم أبي بكر بن الأنباري ومحمد بن عبد الله الحضرمي والحسين بن عمر بن أبي الأحوص الثقفي وعلي بن العباس المقانعي والفضل بن الحباب الجمحي وعلي بن سليمان الأخفش ونفطويه ومحمد بن جعفر القتات وغيرهم.
يعتبر هذا الجزء من أمتع أجزاء هذا الكتاب الفخم، حيث حوى بين طياته مجموعة من السير الأدبية الممتعة و من أهمها ترجمة حافلة لشاعر الورع و فيلسوف الزهد أبي العتاهية و التي لو طبعت لوحدها لجاءت في جزء كبير ، و قد أثنى عليه أبو الفرج قائلا : كان غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الإفتنان، قليل التكلف، و هو من الشعراء الوصافين لأصداء عصرهم و ما كان يضطرب فيه من الأحداث و الوقائع . ثم عطف المؤلف بعد ذلك على ترجمة أخرى لحكيم الجاهلية و سري ثقيف ( أمية بن أبي الصلت ) و الذي كان متألها عابدا و منصرفا إلى نظم الشعر المحشي بالحكم و الزهد و ذكر الله و الدعوة إلى توحيده و الإيمان بالجنة و النار و كتب الأنبياء ( عليهم الصلاة و السلام ) و هذا على الرغم من رفض الكثير من اللغويين الإستشهاد بشعره من أجل أنه كان يستعمل في قصائده الكلمات الغريبة و الغامضة . ثم إلى أخبار شاعر الرسول عليه الصلاة و السلام ( حسان بن ثابت رضي الله عنه ) و ترجمة وقائع حياته في الجاهلية و الإسلام كونه عاصرهما معا، و كان يذكر بإصابة القول و جودة النظم و براعة المعاني حتى أجمعت العرب على أنه أشعر أهل المدر ( أهل القرى و الأمصار ) ، و من مناقبه العظيمة إعانة جبريل عليه السلام له في مديح النبي صلى الله عليه وسلم و هجاء أعداء الدعوة الإسلامية من شعراء المشركين و اليهود، فقد روي أن النبي صل ىالله عليه وسلم قال له عن الكفار ( أهجهم و جبريل معك! ) و له في ذلك أخبار مستفيضة و قصص كثيرة. و من تراجم هؤلاء يعرج المؤلف على أخبار شعراء آخرين كان لشعرهم دور كبير في تطور حركة النظم و تقدمها كالأحوص بن محمد الأنصاري و شعره و أخباره مع الأمراء و وفوده على خلفاء بني أمية و كثرة هجائه لأعدائه الذي جر عليه محنا و بلاوي كثيرة ، و طريح بن إسماعيل الثقفي الذي نشأ في دولة بني أمية و استفرغ شعره في مديح الخليفة الوليد بن يزيد ( و له معه أخبار كثيرة جدا ) ثم أدرك دولة بني العباس ( مخضرم ) فخشي على نفسه منهم خصوصا بعد أن وبخه الخليفة المنصور على غلوه في مدح الخليفة الوليد ! فما كان منه إلى أن سل سخيمة أبي جعفر بأن راوغه و اعتذر فأحسن الإعتذار ، و إبراهيم بن هرمة الذي يعد واحدا من أبرع الشعراء المخضرمين و أوفرهم حظا من الأدب و النسب ( على الرغم من إيراد المؤلف لبعض الروايات التي تشكك في فهرية الرجل و قرشيته! ) و قد بلغ من قوة التمكن في الشعر و القصيد مبلغا جعل الأصمعي يذكره ضمن خمسة ختم الشعر بهم! ، و إسماعيل بن يسار الذي نشأ منقطعا إلى آل الزبير مداحا لهم ثم اتصل بعبد الملك بن مروان و اختص بمدحه و مدح أبناءه الذين أكرموه بدورهم و أحسنوا جوائزه و وصلوه بالأموال و العطايا ، على أن المؤلف ساق بعض الروايات التي تثبت شعوبيته و تعصبه للنزعة العرقية و تفضيله للعجم على غيرهم. -- و هذا إلى جانب ما بثه صاحب الكتاب في طواياه من تلك التراجم المبعثرة لطائفة من المغنين و المطربين الذين امتازوا بحسن الصوت و إجادة الطرب و متانة الفن و براعة الغناء و منهم : طويس مولى بني مخزوم الذي اشتهر بإجادته للغناء و براعته فيه، و كذا الدلال مولى بني فهر الذي كان أهل المدينة يفخرون به و بفنه و يصفون غناءه بالبديع و يذهبون في مديحه كل مذهب! ، و كذا ( ابن مشعب مولى ثقيف ) الذي اعتبر أحسن الناس غناء حتى قيل إن عامة الغناء الذي ينسب إلى أهل مكة إنما هو في الحقيقة من غنائه هو! ، و يضاف إليهم أبو سعيد مولى فائد الذي جمع بين نظم الشعر و غنائه و كان شاعرا مجيدا و مغنيا بارعا و ناسكا فاضلا ، و من ذكر هؤلاء إلى ذكر بعض أخبار المغنيتين المحسنتين فريدة الكبرى و الصغرى ، ثم إلى ترجمة فليح بن أبي العوراء صاحب المحل الكبير و المنزل الرفيع في صنعة الغناء و هو أحد المغنين الثلاثة الذين اختاروا المائة صوت ( أغنية ) للخليفة هارون الرشيد ( و المائة صوت هي التي قامت عليها فكرة تأليف كتاب الأغاني كما هو معروف من قصة كتابته )، و كذا أخبار يونس الكاتب و هو المعتبر عند أهل الغناء على أنه التلميذ النجيب للمغني الشهير ( معبد بن وهب مولى بني مخزوم ) و الذي وصفه الأصفهاني بأنه : صاحب الغناء الحسن و الصنعة الكثيرة و الشعر الجيد.
يبدأ الأصفهاني الجزء الرابع بأخبار أبا العتاهية، وهو رجل جمع بين الشعر والنقد والفلسفة وخاض معارك في الحقول الثلاثة، كما كان حاضرًا في المشهد السياسي في زمانه في بلاط الرشيد ثم شاهدًا على صراع الأمين والمأمون؛ ثم يتوقف الأصفهاني وقفة يسيرة مع أخبار فريدة الكبرى والصغرى المغنيتين في العصر العباسي؛ ليعود إلى شاعر جاهلي فليسوف وهو امية بن ابي الصلت؛ ليقف وقفة طويلة مع شاعر الرسول حسان بن ثابت، وعلى خلفية حياته نلمح صور من الحياة الاجتماعية والأوضاع السياسية في فجر الإسلام؛ ليتوقف من جديد وقفة خفيفة مرحة مع طويس المغني الذي ضرب به المثل في الشؤم؛ ثم ينتقل إلى الأحوص الشاعر الهجاء وما جره عليه هجاءه من المصائب؛ ثم يقدم اخبار مغني هو ابي سعيد مولى فائد وآخر هو فليح بن أبي العوراء وفي اخبارهما تقرأ أخبار الانقلاب العباسي والسفاح ومن لحقه من ملوك بني العباس؛ ثم يحكي أخبار الشاعر ابن هرمه الذي أطلق على نفسه ألأم العرب والذي قال فيه ابن الأعرابي بأنه ختم الشعر؛ يلحقه بأخبار أول من دون شعر الأغاني يونس الكاتب.
هذا الكتاب من أشهر مؤلفات المكتبة العربية ومن أهم كتب التراث ولايقل شهرة عن "ألف ليلة وليلة"، و"رسالة الغفران" للمعري، ومؤلفات الجاحظ، و"مقدمة" ابن خلدون. وأتمنى أن لايتوهم البعض أن الكتاب هو فقط دراسة لمستوى الأغنية العربية الجاهلية منها وماتم تأليفه في القرون الأولى؛ بل يتناول الموسيقى والشعر والكثير من المعلومات والمادة التاريخية في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام والعصر الأموي والعباسي إلى منتصف القرن الرابع الهجري (منتصف قرن 10 م)، وهو جهد عظيم قام به الأصفهاني. ولايعاب عليها غير ميله لتسجيله للكثير من المعلومات التاريخية غير المثبتة والتي استلها من مصادر ضعيفة في الرواية التاريخية من المدونات العربية القديمة والمعاصرة للمؤلف، وهو ماجعل المؤرخ العراقي الكبير وليد الأعظمي يضع كتابًا بعنوان (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني) وهو واضح الغرض من عنوانه وعندما قرأته فيما مضى بعد قراءة (الأغاني) وجدته وهو كتاب رغم ميله للمدرسة النقدية الإسلامية التي لا تراعي (أحيانًا) بقية المدارسة النقدية الأدبية والتاريخية إلا أنه أحسن تناوله ونقده.
قام الأصفهاني بتأليف كتابه لأجل الموسيقى لاشيء غير الموسيقى حيث حرص على توثيق الأغاني التي كانت متداولة في بلاط الخلفاء خصوصًا العباسيين فجاء الكتاب يحمل كمية معرفية في الأدب أعتبر به الكتاب موسوعة غاية في الروعة وكذلك جاء بمعلومات تاريخية (جلها مكذوب) والكثير من سير الشعراء والأدباء.
كانت الأغاني (القصائد) التي تجاوزت الـ(100) هي من إختيار الموسيقار العربي إيراهيم الموصلي، ويضاف إليها أغاني من إختيار الأصفهاني نفسه، وقد صدر له تهذيب ولا أقصد ذلك التهذيب التي يتناول طمس الكلمات والأشعار الجنسية بل هو تهذيب عمد لتخفيف الكتاب من تسجيل لحن القصيدة وذكر عروض (تفعيلات) القصيدة ووزنها الشعري والأشعار الخارجة عن وحدة القصيدة المغناة ونقرات الصوت (اللحن المغنى) الخفيف والثقيل، وحذف الأسانيد التي (لا تهم) جمهور كبير غير قارئ للتراث لكنه يهتم للمعلومة كجزء من النص. لهذا كثرت الإختصارات لهذا الكتاب في وقت مبكر منذ بداية القرن (5) الهجري وصولًا للقرن (8) الهجري وكذلك في العصر الحديث.
مما وجدت في هذه الموسوعة النفيسة : الكثير من الكذب والتحريف لكن هذا الكذب لمن هو مطلع على كتب التراث وكلاسيكيات العرب في الأدب والتاريخ والشعر وتنوعه في القراءة لن يقف أمام هذه الأكاذيب فسرعان ماسوف يفندها خصوصًا تلك التي خص بها الخلفاء من العصر العباسي الأول وهذا ليس لأن المؤلف يعود بنسبه لبني أمية – وهى نقطة مهمة قابلة للتشكيك – ولكن تناول حتى خلفاء من غير بني العباس، وتناول شخصيات من آل البيت بروايات (باسانيد ضعيفة) المصدر تضج بالكذب والخرافات.
محاولة تدعيم معلوماته الأدبية على حساب التاريخ وهذا يضعف قيمة الكاتب قبل كتابه. إلا أن الغريب هو بقاء الكتاب مكان ريادة لغزارة المادة التشويقية القصصية التي تستهوي القارئ.
وفرة المادة الأدبية حيث أن القارئ / ـة سيخرجون بكمية هائلة من المعرفة التراثية.
الكثير من دواويين الشعراء المطبوعة منذ بدايات القرن الماضي أخذت مايقارب (50 %) من مادة الشاعر من هذا الكتاب إضافة لبقية كتب التراث كمعجم ياقوت الحموي، والمبرد وطبقات الجمحي، وصبح الأعشى والحماسة لأبي تمام وغيرها. فقد ضم الكتاب موسوعة عظيمة لشعراء العالم العربي منذ العصر الجاهلي حتى العصر الرابع الهجري وسيرهم الذاتية وهو من الاستطراد التي وقع فيه المؤلف عند ذكره لإحدى الأغنيات فيورد الكثير من قصائد الشاعر فحمل الكتاب ما يشبه ديوان شاعر ما.
يضم الكتاب أسماء وسير أشهر المغنين والمغنيات الشهيرات لقرابة (4) قرون يكاد يكون الكتاب هو الأول في توثيقهم.
يصور الكتاب الحياة العامة للعصور العربية منذ الجاهلي حتى العصر الإسلامي في العهد الأموي والعباسي فينقل لنا مرحلة اجتماعية أكتفى الكاتب بذكر جانب الرفاهية مع المبالغات ليستقيم أصل الكتاب مغ غاية المؤلف (وذلك موضوع آخر).
تصوير (بغداد) وبعض مدن العراق التي كانت مكان ثقل مركز الحكم العباسي كمنطقة لا تهتم بغير الخلاعة وتغييب كامل لدورها الريادي في ذلك الوقت.
رغم ذكره لكامل حياة (هارون الرشيد) وماجرى في عصره وندمائه وشعرائه بحديث يطول لدرجة الملل إلا أن ثمة تغيب لشاعر كبير وهو (أبو نواس) وهذا غريب جدًا فهل سقطت سيرته من الكتاب؟ ولا أظن ذلك ولكن يبدو أن ثمة تعمد لإسقاطه من قبل المؤلف.
يجب تصنيف الكتاب أنه كتاب ��سامرة مثل (العقد الفريد) للأندلسي ابن عبد ربه، و(بهجة المجالس وأنس المُجالس) لابن عبد البر القرطبي وغيرها من مؤلفات المسامرة والمتعة وليس كتابًا تاريخيًا إخباريًا ولكن هذا لا يعفيه من النقد.
من أشهر نسخ هذا الكتاب نسخة (مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة) والتي بدأ تحقيقها منذ (1927 – 1974م = 1345 – 1394هـ) مع (مطبعة وزارة التربية والتعليم)، و(الهيئة المصرية العامة للكتاب). أي مدة قاربت الـ(50) وهي ما ننصح بها لعناية نخبة من خيرة المحققين العرب من مصر وهي نسخة في (24) جزء.