رسالة لطيفة في اعتقاد الإمام ابن أبي يعلى رحمه الله صاحب كتاب (طبقات الحنابلة) وابن الإمام الشهير أبي يعلى الفراء. وقد شملت غالب أبواب الاعتقاد. وهذه الرسالة تمثل معتقده ومعتقد والده كما ذكر ذلك في آخرها. لم يجر فيها ابن أبي يعلى مجرى كثير من الحنابلة الذين قرروا أن أول واجب على المكلف هو النظر، بل ذكر أن أول واجب هو الإيمان بالله تعالى. وهو موافق لما عليه السلف وما يدل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية. ذكر أن كلام الله قديم وهي ضلالة تتابع عليها كثير من الحنابلة للأسف الشديد، والصحيح أن الكلام صفة اختيارية قائمة بذات الله سبحانه وتعالى وأن نوعها قديم وأفرادها حادثة. ولم يتعقب المحقق كلام المؤلف بشيء رغم ضرورة ذلك. يعتقد ابن أبي يعلى إثبات صفات الله كما وردت، ولكن هل إثباته موافق لإثبات السلف أم أنه يميل نحو التفويض؟ يقول: "وإن أمرها كما جاءت ، من غير تأويل ، ولا تفسير ، ولا تجسيم ، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون فهو الواجب عليه ." (الاعتقاد، أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، تحقيق: د. محمد بن عبدالرحمن الخميس، دار أطلس الخضراء، ط1 1423هـ-2002م، ص31). اللافت للانتباه نفي التجسيم، وهو غير وارد في التعبيرات السلفية (من غير تأويل ولا تفسير ولا تشبيه ولا تعطيل). المهم أن هذا القدر لوحده لا يكفي لتحديد موقف الشيخ من الصفات؛ إذ أنه مشترك بين مثبتة الصفات ومفوضتها. فلزم الرجوع إلى كتبه الأخرى المتاحة لمعرفة موقفه بدقة. انتقلت لكتابه طبقات الحنابلة، وتحديدًا ترجمة والده رحمه الله، لأرى ما موقفه من تصنيفاته. وقد استفاض في ذكر عقيدته في المجلد الثالث من الطبقات من صفحة 387 حتى صفحة 394. قال ابن أبي يعلى: "هكذا اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سلفه من الأئمة أن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية. والأصل الذي اعتمده في هذا الباب اتباع قوله: ((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب))" (طبقات الحنابلة، أبو الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء البغدادي الحنبلي، تحقيق: د. عبدالرحمن بن سليمان العثيمين، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام، ط 1419هـ، الجزء الثالث، ص389). "واعتقدوا أن البارئ -سبحانه- استأثر بعلم حقائق صفته ومعانيها عن العالمين، وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مأمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه، كما حملته المشبهة الذين أثبتوا الكيفية، ولا تأولوها على اللغات والمجازات، كما تأولتها الأشعرية." (طبقات الحنابلة، أبو الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء البغدادي الحنبلي، تحقيق: د. عبدالرحمن بن سليمان العثيمين، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام، ط 1419هـ، الجزء الثالث، ص390). أما إيراد آية المحكم والمتشابه فإن عُني بها أن أخبار الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله فهو التفويض البدعي المخالف لما عليه السلف، وذكرها هنا يوقع الريبة والشك في كون هذا الإثبات سنيًا. أما الاقتباس الثاني فقد قال فيه كما هو ظاهر: "استأثر بعلم حقائق صفته ومعانيها عن العالمين" وعطف المعاني على الحقائق يوحي بتغايرها، وأنه يقصد الجهل بالمعاني التي تتضمنتها أخبار الصفات، وهذا تفويض أيضًا. وبناء على ما سبق فإنني أرجح أن ابن أبي يعلى يميل إلى التفويض الذي كان عليه والده، وأن عبارته هذه تشير إلى ذلك بالإضافة إلى القرائن الأخرى من كتابه طبقات الحنابلة. - أسهب المؤلف في ذكر خصائص القرآن ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من محاسن رسالته. - "ويجب هجران أهل البدع والضلال كالمشبهة والمجسمة. والأشعرية والمعتزلة والرافضة. والمرجئة والقدرية والجهمية والخوارج والسالمية. والكرامية وبقية الفرق المذمومة" (الاعتقاد، أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، تحقيق: د. محمد بن عبدالرحمن الخميس، دار أطلس الخضراء، ط1 1423هـ-2002م، ص43-46) ويظهر حرص المؤلف على إبراز التباين المنهجي عن الأشعرية وغيرهم من المبتدعة. وهو تمايز حرص الحنابلة على إظهاره منذ قديم الزمان إلى أن وجد منهم بعض الشواذ الذين يحاولون التقريب بين الحنبلية والأشعرية في مفارقة غريبة. - انتهت المراجعة