يعيد كتاب "سياسية الجنسين" للفيلسوفة الفرنسية "سيلفيان أجاسينسكي" الذي صدرت ترجمته العربية أخيرا عن دار "روافد" بالقاهرة النظر في الفكر النسوي ومنطقه الذي تحكم فيه كتاب "الجنس الثاني" لسيمون دي بوفوار والأفكار الداعية لتحرير المرأة. ويري ضرورة إعادة النظر في فكرة التحرر الجنسي التي سادت الفكر النسوي وجاءت علي حساب طبيعة المرأة.
وسيلفيان أجاسينكسكي هي فيلسوفة فرنسية تدرس بالمدرسة العليا لدراسيات العلوم الإجتماعية، ولدت عام 1945 وهي زوجة رئيس وزراء فرنسا الأسبق "ليونيل جوسبان" وكانت علي علاقة بالفيلسوف الفرنسي "جاك ديريدا" ولها منه ابن، وقد تأثرت سيلفيان بأفكار ديريدا كثيراً، وربما ان هذا الكتاب يقوم بشكل أساسي علي أفكاره.
وعلي الرغم من أن فكرة الكتاب الأساسية التي يقوم عليها وهي أن السبيل التي تنتهجها النسوية هي السبيل لجعل المراة كالرجل ويصب في مصلحة الذكورية في النهاية ليست جديدة تماماً فإن المعالجة الفلسفية التي تقدمها سيلفيان تتميز بالجدية والدقة في التفاصيل وعلي الرغم من أنه لا يدور بشكل أساسي حول نقد كتاب "دي بوفوار" فإن هذا النقد يشكل نقطة تحول رئيسية في الفكر النسوي.
وينطلق الكتاب من نقطة نظر مختلفة تماماً عن التي قام عليها كتاب "الجنس الثاني" ومعظم نظريات تحرر النساء التي تقوم علي إنكار الهوية الجنسية ومحو الإختلاف بين الجنسين في سبيل حصول المراة علي المساواة مع الرجل فتأكيد الإختلاف بين الجنسين واختلاف المرأة عن الرجل هو نقطة أساس لإنطلاق أجاسينسكي فالمساواة بين الرجل والمراة لا يجب أن تعني محو الاختلافات بين الجنسين فعلي طول تاريخ هذه النظرة التي تمحو تميز جنس المراة عن الرجل تم محو وجود المراة فهذه النظرة للمساواة هي تأكيد لعدم احترام الإختلاف بين الجنسين سواء في الحقل القانوني أو الحقل السياسي وهو ما لا يسمح للنساء بالحديث عن تجربتهن الخاصة ووصف وضعيتهن والمطالبة بحقوهن المخصوصة والتي تختلف عن الرجل بحسب الكاتبة.
وعلي الرغم من أن كتاب "الجنس الثاني" قد فتح الباب أمام العديد من النساء للتحرر فإن أفكار الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار ورغبتها المتسرعة في التحرر أدت بها إلي أن تنكر الطبيعة الأنثوية وأن تحتقر الأمومة والحمل باعتبارها عوائق للأنثي ومصدر سلبها حريتها وحقها في المساواة كما أنها لو تقم بأي نقد للوصف التقليدي للعلاقة بين المراة والرجل الذي كان يعتبر أن المرأة تعاني من إعاقة طبيعية مرتبطة بجسدها، وبدلاً من أن تنظر في تلك العلاقة بشكل نقدي اندفعت بكل قوتها نحو التخلص من هذا الجسد الأنثوي الذي يمثل شيئاً تخجل منه.
لقد كانت فكرة التحرر التقليدية السائدة في النصف قرن الماضي تأتي علي حساب تنكر المرأة لأنوثتها بأن تصبح كالرجل وتنكر أمومتها وجسدها وتعتبرهما عائق يمنعها من الانطلاق والتحرر، ولكن النساء اليوم لا يقبلن بهذا الإنكار للأنوثة بحسب الكاتبة فهن يردن كل أشكال الحرية بما فيها قبول أنوثتهن والحفاظ عليها.
كتاب يتعرض لتاريخ الحركة النسوية في أوروبا، وما حققته من نجاحات وتمكين، شاهدته أول ما فعلت على رف لدى كشك بسور الأزبكية، خلته في البداية كتاب يتعرض لأوجه التوافق وآليات الاختلاف والتباين بين كل من الجنسين الرجال والنساء على السواء، لكن كان للكتاب وجه آخر كل ما زاده صعوبة وإرهاقا للقارئ هو صعوبة الأسلوب باتخاذه شكلا مستعرضا لمصطلحات منطقية وإطالات كثيرة بحيث تجد فصولا كاملة يمكن اختصارها في بضع صفحات، وغير معلوم سبب هذا كان النص الأصلي، أو أسلوب الترجمة. الكتاب يناقش بطرح فلسفي جدلية "الأصل" ومرجع الهيمنة بين الذكور والإناث على مر التاريخ، مع تعرض سريع لأزمنة متباينة السيادة، بناء على الأيقونية والتجسيد، والشكل الرمزي، لفترات التاريخ القديم، مثلا التعرض للآلهة من النسوة وكيف كان الانقلاب الذكوري، واستلاب المرأة، وكيف كان للحضارة الغربية في عصور الظلام أثرا بالغ السوء على وضعية المرأة وحريتها. في فصول الكتاب أيضا تجد آراء للكاتبة، مع تاريخ للجدال الفلسفي بين القدامى والمعاصرين وفلاسفة الحداثة بالأخص أمثال نيتشه وروسو وسيمون دي بوفوار، لكنه لم يتبن وجهة للنظر بعينها، في موضوعية، قد مستغربة قليلا وبخاصة أن كاتبته سيدة فرنسية وفيلسوفة، لكنها كانت ترتكن إلى الموضوعية في الطرح وعدم التعصب في التناول.
أن تجد من يدافع عن رأيه بإستماته فهذا وارد، أما أن تجد من ينتقد بشكل موضوعي ويتقبل الإختلاف بإتساع بال فهذا نادر.. كتاب فلسفي بناء يتحدث عن وضع الجنسين في المجتمع وحال المرأة والأفكار التي تُحيط بها وينتقد صنوفاً من المُسَلمات التي يعتقد الكثيرون بصحتها خاصة مع تداولها على ألسنة المشاهير وأصحاب الميكروفونات، تختتم سيلفيان رؤيتها بتأكيدها على "إعادة التفكير وبناء الإدراك" لأن واقعنا يخبرنا بأننا كائنات إنسانية وأفكارنا تروينا كما يروي الماء النبات.. شكراً روافد على الترجمة الرائعة