لست أدرى كيف ابدأ حديثى معك وأنا أشعر منذ البداية بدهشة شديده تسيطر عليك ،وأنت تسأل نفسك فى فضول بالغ : عجبا لهذا الزمان الذى أصبحت فيه "الامخاخ" تتحدث وتتكب عن نفسها؟! وربما كان استغرابك إنما هو لحديثى معك بلغتك وكلماتك البشرية ، ولكن لنترك تلك الامور الشكلية وندعها جانبا،فاللغة فى طبيعتها اتصال،والاتصال فى الحقيقة أمره عملية نقل للمعانى عن طريق رموز محددة ومتعارف عليها، ولعل لغة الحياةهى جوهر الاتصال الحق بين المخلوقات جميعا، وكل يستخدم لغته الخاصة به فى التعبير عن طبيعته فالخلاف هنا فى المظهر لا فى الجوهر. وإذا كانت لغتك التى تستخدمها أنت أساسها الحروف و الكلمات فإن لغتى تقوم على أمور أخرى أساسها إشارات عصبية كهربية وتفاعلات كيميائية معقدة، لم تستطع حتى الان أن تتوصل إلى كشف كل أسرارها وخباياها !فلا عجب إذن إذا كنت أستخدم لغتك البشرية، لكى أستطيع أن أتحدث اليك ،ويدور بيننا حوار ما دمت أنت لا تستطيع أن تستخدم لغتى أو تقدر على فهمها ، فضلا على ذلك أليست اللغة مظهرا للاتصال لا جوهره الحق كما اتفقنا ؟ أما لكونى أكتب إليك عن نفسى هذا الحديث الطويل على هيئة رسالة فلا غرابة فى ذلك أيضا، وإن كنت لم أمسك بقلم ولم أكتب كلمة واحدة أو حتى حرفا واحدا على الإطلاق. . وأيضا لم أتسلل خلسة إلى خارج رأس صاحبكم –الذى يكتب لكم عنى الان – لكى أجلس على مكتبه وأكتب رسالتى هذه ؛ كذلك فإننى لم أدخل قلما و ورقا إلى داخل عظام رأسه سرا؛ لكى أدون فيها مذكراتى، ثم بعد وفاته أقوم بنشرها عليكم،لم يحدث أى من ذلك على الاطلاق، فإن طبيعة تكوينى لا تسمح لى بالقيام بمثل الأعمال التى اعتدتم القيام بها أنتم يا معشر البشر! ولكن الأمر ببساطةهوأن واحدا منكم أعجب بى إعجابا شديدا كما أننى أعجبت به أشد الاعجاب، غير أنه لم ينتهى بنا هذا الاعجاب إلى مثل ما ينتهى بينكم -!!!-فإن طبيعة تكوينى لا تلائم طبيعته. . أقول ذلك لأنى بصراحة أعرف أفكاركم وأين ستذهب . . ؟