كيركجور ليس مجرد فيلسوف وجودي بالمفهوم الحديث، بل هو مفكر ديني متمرد، يعيش قلقًا داخليًا يتجلى في كتاباته التي تبدو أحيانًا وكأنها صراع شخصي أكثر منها تنظيرًا فلسفيًا. الفكرة المحورية التي يدور حولها هذا الجزء هي أن كيركجور رفض كل محاولات تحويل الإنسان إلى جزء من منظومة عقلانية كبرى، وأصرّ على أن الحقيقة ليست شيئًا موضوعيًا عامًا، بل تجربة فردية يعيشها كل إنسان على طريقته.
إمام عبد الفتاح إمام يوضح كيف أن تحليل كيركجور للقلق واليأس كان أحد أكثر جوانب فلسفته تأثيرًا، ليس فقط في الفكر الديني، ولكن في الفلسفة الوجودية الحديثة بأكملها. القلق عند كيركجور ليس مجرد إحساس سلبي يجب التخلص منه، بل هو دليل على أن الإنسان كائن حر. كلما زادت حرية الإنسان، زاد شعوره بالقلق، لأنه يدرك أن خياراته لا نهائية، وأن كل قرار يتخذه يحدد مصيره. هذه الفكرة ستصبح لاحقًا محور الفلسفة الوجودية عند هايدغر وسارتر، حيث يتحول القلق إلى عنصر أساسي في فهم طبيعة الإنسان. أما اليأس، فهو يظهر عندما يفشل الإنسان في أن يكون ذاته. البعض يهرب من ذاته من خلال الانغماس في الحياة المادية، والبعض الآخر يرفض ذاته الحقيقية لأنه لا يستطيع مواجهة حقيقتها. في كلتا الحالتين، يكون الإنسان في حالة اغتراب عن وجوده الأصيل، والحل الوحيد لهذا الاغتراب هو أن يواجه الإنسان ذاته بصدق، ويقبل مسؤوليته عن وجوده
إمام عبد الفتاح إمام لا يكتفي بعرض أفكار كيركجور، بل يربطها بسياقاتها الفلسفية والتاريخية، ويشرح كيف أنها لا تزال ذات صلة حتى اليوم. في عالم يعيش فيه الإنسان تحت ضغط الحداثة، حيث تُفرض عليه هويات جاهزة، ومسارات محسومة.