يقع الكتاب في 186 صفحة، مقدمتُه التي أعدها أحمد محمد سالم تشغل 40 صفحة، وأهم ما فيها عرضها لسيرة الشيخ.. ثم بعد ذلك تحليلاته محل أخذ ورد،
الكتابُ بالأصل قد وُضع لطلبة كلية أصول الدين لذا فإني أحبذ لمن سولت له نفسه قراءته أن يدرسه لا أن يقرأه سردًا لأن مادته تأبى القراءة السردية دون تأمل فالأسلوب ليس محل تقييم لكونه جافًا، وإنما المادة العلمية.
والكتاب من جزئين، أولاهما منهج، والثاني تطبيق، الأول: يرسي فيه دعائم منهجه العلمي في دراسة تاريخ (الملل والنحل) ويرجع هذه التسمية إلى كتابي الشهرستاني وابن حزم الشهيرين، ويحاول في هذا الجزء أن يعرف لفظات الدين والملة والنحلة والتاريخ ويبين ما ينتهجه منها بين تعريفات القدماء والمحدثين -أي المناهج الغربية-، عندما جاء للفظة التاريخ -وقد أخرها لسبب ذكره- عرض بعض دعائم منهجه والتي يمكن أن تتمثل في مطالبته أن عملية دراسة تاريخ الأديان :
- يجب أن تعتمد على مصادر أوسع من الرواية المنقولة، كالمصادر المادية المعنوية
- يجب أن تخضع للقوانين العامة والدُوَل، سنن الحياة التي لا تتم إلا بدراسة فلسفة التاريخ ومن هذا دراسة تاريخ الأديان في ضوء علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.
- لا بد من الالتفات إلى أهمية البيئة في فهم الأديان مادية كانت أم معنوية، فتاريخ الأديان يخضع لما تخضع له الحياة الإنسانية.
وينبه إلى عامل الزمن في فهم الظواهر التاريخية، فللتاريخ والزمن أثر على حركة الدين ويجب في فهم الظاهرة الدينية -بمعناها العام- أن نفهم تطور حركة التاريخ والمجتمع والبيئة المحيطة في الزمن الذي تتطور فيه رؤية الفهم البشري للدين.
وهو بذلك مستطرد على أسس الداروينية الاجتماعية، ويدرك ذلك من علم أن الشيخ من أنصار التطور الموجه ويلاحظُ ذلك في ثنايا كتابه، وقضيةُ ذهابه للقول بالتطور يعللها بكونها لا تعارض إلا الروايات المحتومة من التوراة المعلوم عنها التحريف، وفي هذا نظر، وفي تطبيقاته نظر آخر.
ولكنه سرعان ما يوضح أن (تطبيق البيئة على الدين ليس معناه الأول والأخير أن العقيدة وحي البيئة، كلا بل معناه أن تجيء العقيدة بما تستعد البيئة لتلقيه) وهو دون هذا التوضيح قد يحملُ البعضُ منهجه على تاريخانية النص الديني باللزوم.
وبعدما يستبين المنهج شيئًا، يأتي إلى شطر التطبيق فيطبّق منهجه في دراسة اليهودية.. وهذه لا بد أن يدخل إليه المرأ خالي الوفاض إلا من منهج أمين الخولي ليرى تجلياته ثم ليدرك كنهه ثم ليرى إن كان يستحق أم لا، ولكن الكتاب لسبق في المادة حيث جاء عام 1935 يستحقُ أن يقرأ ولكنه لا يمكن تجاوزه دون قراءة كتاب الدين لـ محمد عبد الله دراز، والذي وضع لنفس الغرض ولكن في جامعة الملك فؤاد عام .1952
والدين هو في مادته أعمق ذهابًا، وأشملُ تعريفًا ومنهجًا.. ولكن لأمين الخولي سبيل امتزجت فيه ثقافتان لم تتباينا، ولدراز أصالةٌ وعمق يأسران اللب وروح تُسَلسِل الفؤاد وكتابه الدين -بل كل كتبه- هي من ذلك، فيحسن بالمرء أن يقرأ الكتابين سويا لتقع عينه على أول درس لتاريخ الأديان في كل من الأزهر وجامعة القاهرة، ثم هو بذلك يقارن بين أمين الخولي كمنهج ودراز كمادة وكلاهما يشتبهان في بعض الملامح العامة من السيرة.
وبعد هذا الاستطراد الأخّاذ.. فالكتابُ ليس مما يُسلّمُ له وليس مما يُترك دون هوامش وتعليقات، لكنه والدين يجبُ أن يدرسا، ويتأمل الناظر فيهما -وبالأخص الدين- فمن أراد الولوج لمقارنة الأديان وتاريخها عليه بكلا الكتابين.. وأعيذك بالله أن تترك عقلك أسيرًا لمقدمة الكتاب :" وكن على تذكرٍ أنها جاءت عقب أحداث سبتمبر ففي ذلك بيانٌ لها بتفعيل البيئة والتاريخ.(: