توفي أبوه و هو طفل صغير و بقي في كنف أمه إلى أن تعلم الأدب، و العربية، ثم رحل بعد ذلك من "إستوا" القرية التي ولد بها، إلى نيسابور قاصدا تعلم ما يكفيه من طرق الحساب لحماية أهل قريته من ظلم عمال الخراج. فكانت هذه الرحلة تعبر في جوهرها عن أهم حلقات الآثار النفسية التي ترسبت في شخصية القشيري (ت465هـ)، و التي اتضحت فيما بعد في مواقفه أمام السلطة الزمنية. و أثناء هذه الرحلة حضر حلقة الإمام الصوفي الشهير بأبي علي الدقاق (ت406هـ) و كان لسان عصره في التصوف، و علوم الشريعة، فقبل القشيري (ت465هـ) في حلقته بشرط أن يكتسب الشريعة، و يتقن علومها. و هذا ما يفسر دعوة القشيري في مشروعه الإصلاحي إلى الملازمة بين علوم الشريعة و التصوف. و قد قبل هذا الشرط و عكف على دراسة الفقه عند أئمته. و لما انتهى منه حضر عند الإمام أبي بكر بن فورك (ت406هـ) ليتعلم الأصول. فبرع في الفقه و الأصول معا، وصار من أحسن تلاميذته ضبطا، وسلوكا. " وبعد وفاة أبي بكر اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني [ ت418هـ ">، و قعد يسمع جميع دروسه [ وبعد أيام "> قال له الأستاذ : هذا العلم لا يحصل بالسماع، فأعاد عليه ما سمعه منه، فقال له : لست تحتاج إلى دروسي بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي، و تنظر في طريقتي و إن أشكل عليك شيء طالعتني به : ففعل ذلك و جمع بين طريقته وطريقة ابن فورك (ت406هـ)، ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب (الباقلاني)(4) " و بذلك صار القشيري بارعا في الفقه، و الأصول مما دفع بالجويني إمام الحرمين (419/478هـ) أن يصاحبه، و يحج معه رفقة أبي بكر البيهقي(5). و لم يقتصر القشيري على الفقه و الأصول، بل كان متحققا في علم الكلام "و مفسرا، متفننا نحويا و لغويا، أديبا كاتبا شاعرا، شجاعا بطلا، له في الفروسية و استعمال السلاح الآثار الجميلة(6)". و هكذا حقق الإمام القشيري (ت465هـ) ما طلبه منه أستاذه "الدقاق" (ت 406هـ) في تحصيل علوم الشريعة. كل ذلك و هو يحضر حلقات أستاذه "الدقاق" في التصوف و المباحث النفسانية إلى لأن رأى فيه قبسا من النبوغ، و العطاء فزوجه كريمته و مات أبو علي الدقاق(ت 406هـ) و هو في غاية الاطمئنان على محاضرات التصوف بين يدي تلميذه الذي " أجمع أهل عصره على أنه سيد زمانه، وقدوة وقته، و بركة المسلمين في ذلك العصر " (7). و عندما نال القشيري (ت 465هـ) هذه الشهادة أصبح أستاذ خراسان بدون منازع، فصنف العديد من الكتب و الرسائل غير أن مصادر التاريخ تذكر أن أغلب مصنفاته فقدت، و نذكر فيما يلي أهم مؤلفاته رحمه الله : 1- الرسالة القشيرية في التصوف. 2- لطائف الإشارات، تفسير للقرآن الكريم في ست مجلدات. 3- كتاب القلوب الصغير، و الكبير. 4- شكاية أحكام السماع. 5- شكاية أهل السنة. 6- ناسخ الحدي
كتاب فريد يشير إلى عبقرية التأليف الإسلامى فى وقت مبكر و إلى ما بلغته الحضارة الإسلامية من تقدم ،ربط بين النحو العربي والتصوف ، أو ما سماه المؤلف نحو اللغةو يعنى القصد إلى صواب الكلام،ونحو القلوب و يعنى القصد إلى حميد القول بالقلب .
الكتاب كان قد أشار إليه الباشمهندس أيمن فى المحاضرة التاسعة من دورة الوعى اللغوى"دراسة اللغة من منظور شرعى" وأشار لكتاب للشعرانى يربط بين الفقه والتصوف ..
بعد قراءة الكتاب زدت قناعة
بإننا نهمل كنوزا موجودة فى كتب من نسب للتصوف-فى القرون المتقدمة- بسبب هذه الحواجز التى وضعت بيننا وبينها، حواجز لم تمنع أمثال شيخ الإسلام وتلاميذه وغيرهم أن يستفيدوا منها ،وجاء من بعدهم جعلوها كتب بدع صرف لا خير فيها أو يمكن الاستغناء عنها !
يُشرح فيه النحو شرحا صوفيا كيف يمكن للإنسان ان يرى الكون برؤيه ما يبحر فيه يبدو ان الامام القشيري يرى الكون بنظره صوفيه فحتى النحو كان سبيل للتزكيه والتصوف عجيب وجميل !
"وجوهُ الإعراب أربعة: الرّفع والنّصب والخفض والجزم. وللقلوب هذه الأقسام، فرفع القلوب قد يكون بأن ترفع قلبك عن الدّنيا وهو نعت الزهّاد. وقد يكون بأن ترفع قلبك عن اتّباع الشّهوات والمُنى، وهو نعت العُبّاد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. وفد يكون برفع القلب إلى الحقّ وتصفيته عن شهود الخلق. وأمّا نصب القلوب فيكون بانتصاب البدن على بسط الوفاق، ثمّ بانتصاب القلب في محلّ الشهود بحسن الإطراق، ثمّ بانتصاب السرّ بوصف الانفراد. وأمّا خفض القلوب فيكون باستشعار الخجل، واستدامة الوجل، وملازمة الخشوع، وإلقاء النّفس في ذبائح الجهاد. وأمّا جزم القلوب، فالجزمُ القطع، ويكون بحذف العلائق، والسّكون تحت جريان أحكام الحقيقة، من غير إخلال بشيء من آداب الشريعة."
- من كتاب "نَحْو القلوب"، وهو كتاب صغير يمكنك قراءته في جلسة أو جلستين. يقوم الكاتب بإسقاط قواعد النّحو في اللّغة العربية على بواعث القلب وشواغله، فيُعنى بهذا بتزكية القلب، ومن الجميل استقبال الشهر الكريم به. يذكر الكتاب في الفصل الأول: "النّحو في اللغة هو القصد إلى صواب الكلام. نحوتُ نحوه أي قصدتُ قصده. فنَحوُ القلب هو القصد إلى حميد القول بالقلب، وحميد القول مخاطبة الحقّ بلسان القلب."