وسط حوائط العُزلة التي تعلُو كُل يوم كان لابد أن تلقى " الهيش " حيزًا أكبر من الاهتمام . لتُعبر عن المعنى بأدق تفاصيله بعيدًا عن الصراع السياسي و الانقسامات الدولية ، و التطرف الديني و العنف و النزاعات العُنصرية ليظهر الإنسان في ثوب حديث الخروج من الوحشية الأولى حيث كان أهل هذه الازمنة يُعيرون قليلًا من الاهتمام للمشاعر الرقيقة التى نتشدق بها اليوم مثل " الحق " ، و " الخير " و " الجمال " ، أو حتى لو تواضعنا قليلًا و تحدثنا عن " الخُبز " و " الحُرية " ، و " العدالة الإجتماعية ". لييعيش أبطال الرواية بين البدائية و الحداثة ، بين عالم يتحدث عن فضيلة الحفاظ على الجسد ، و الرأسمالية ، و عالم تقوده غريزة الإفتراس من أجل البقاء . إحساس الفقد : الذي يُسيطر على ثُلثي الرواية الأوَلَين ، حيث فقد " بُرهان عجب جابر" لأمه في المشهد الأول من الرواية ، ثم تتجلى شخصية "عليش جاد الله" ، الذي فقد ثروته تحت وطأة جبروت امرأة لعوب ، حيث انتزعتها من بين أسنان أبيه العجوز المُستمسك بالحياة ! ، و فَقْد مُنيرة لعُذريتها و مُكابدتها دون أن تنحني و تستلم و تنزوي بعد حادثة إغتصابها، بل صارعت شهوتها شهوة الرِجال لتكون مثلا لهزيمة الرجل في الفِراش . فقد الهُوية : الذي عانى منه في الغالب أبطال الرُواية كُلُهم ، بداية من تشكك " بُرهان " أنه ليس ثمة شخص يُدعى " عجب جابر " و مُحسن المرفوض من قِبل عائلة والدته حيث نُصبت المِقصلة لذبح أبويه و هو في عُمر العشرة أيام جزاء الحب الطاهر الذي لم يقوَ على هذا الصراع بين آل سالم النجارين الفُقراء ، و آل مجاهد الإقطاعين المُتغطرسين . " بُرهان عجب جابر " الذي هو نفسه " عليش جاد الله " ، فكلاهما الأجير الفقير إبن المظلمة ، أسير الظنون . و دائرة الصِراع رُبما كانت ستنكسر أو تتوقف لو لم يخش " أبو السعود " قول الحقيقة ، فإن لم يكون " بُرهان " إبن حرام ، فقد عاش ربيب الخطيئة . لكن هذا التقيّ الورع هو أجبن و أحقر من سَكَنَ الهيش . ملحمة " الهيش " في مئة صفحة لا تقل في أثرها عن رائعة المنسي قنديل " يوم غائم في البر الغربي" : القرية الرابضة على شاطئ النهر ، حيث من لا عُزوة له يدهسه الناس بنعالهم و لا يحسبون له حسابًا و لا يُقيمون له وزنًا ، " الهيش" أزمة إلتفاف حول معاني الفضيلة و الشرف و بطش الرأسمالية ، " الهيش " مأوى المأزومين و الفُقراء و معدومي القيمة ، المخبوءين من الناس و الحيوانات . الجو الرمادي غَلَّف الأحداث كُلها حتى النهاية و كأنها مرهونة بالبرد و السُحب و الظلام و الطِّين! الجنس و الفضيلة : هما الجُثث الملفوفة في السِجادة طيلة الأحداث ، فكان الجنس هو أقوى الدوافع بعد الرغبة في البقاء و التمسك بالحياة ، ليكون إختيارًا من بين إثنين لا ثالث لهما ، إما الإنزلاق نحو نهر المُتعة العطِن ، أو إرتقاء سُلَّم الفضيلة . " القرية مثل مئات القُرى النائمة في حضن النيل ، هادئة وديعة ، يُعكر صفوها حادث أو فضيحة لإحدى النِساء تُضبط في غيط أو بجوار ساقية ، و كلها سُرعان ما تنسى و تعود إلى سابق عهدها ، هادئة وديعة ، يظل فلاحوها طيلة العام ما بين زراعة المحاصيل و السهر بجانبها خوفًا من دودة لا ترحم ، و لا تعرف كم عانوا ، أو من جراد غادر أو حتى من تقلُبات مناخ غير مُتوقع . حتى إذا جاء موسم الحصاد ، ترى الوجوه السمراء الناحلة أجسادها تحمل أسم معانى الرضا بما قسم الله من رزق و بما جادت به الأرض من خير و نعمة ، و المولد هو تقريبا مُتعتهم الوحيدة ، فتلك الجلود المُتشققة و الأبدان المكدودة المُصابة بعشرات من أمراض الزرع من حقها أن تسعد و لو أيام قليلة كل عام . و النهاية الرقراقة جديرة بها روح " بُرهان عجب جابر " التي لو لم يكن إسمها المُختار من قِبَل المُؤلف " الهيش " لاقترحنا عليه إسم " بُرهان عجب جابر " المُعذَّب حتى النهاية !
وسط حوائط العُزلة التي تعلُو كُل يوم كان لابد أن تلقى " الهيش " حيزًا أكبر من الاهتمام . لتُعبر عن المعنى بأدق تفاصيله بعيدًا عن الصراع السياسي و الانقسامات الدولية ، و التطرف الديني و العنف و النزاعات العُنصرية ليظهر الإنسان في ثوب حديث الخروج من الوحشية الأولى حيث كان أهل هذه الازمنة يُعيرون قليلًا من الاهتمام للمشاعر الرقيقة التى نتشدق بها اليوم مثل " الحق " ، و " الخير " و " الجمال " ، أو حتى لو تواضعنا قليلًا و تحدثنا عن " الخُبز " و " الحُرية " ، و " العدالة الإجتماعية ". لييعيش أبطال الرواية بين البدائية و الحداثة ، بين عالم يتحدث عن فضيلة الحفاظ على الجسد ، و الرأسمالية ، و عالم تقوده غريزة الإفتراس من أجل البقاء . إحساس الفقد : الذي يُسيطر على ثُلثي الرواية الأوَلَين ، حيث فقد " بُرهان عجب جابر" لأمه في المشهد الأول من الرواية ، ثم تتجلى شخصية "عليش جاد الله" ، الذي فقد ثروته تحت وطأة جبروت امرأة لعوب ، حيث انتزعتها من بين أسنان أبيه العجوز المُستمسك بالحياة ! ، و فَقْد مُنيرة لعُذريتها و مُكابدتها دون أن تنحني و تستلم و تنزوي بعد حادثة إغتصابها، بل صارعت شهوتها شهوة الرِجال لتكون مثلا لهزيمة الرجل في الفِراش . فقد الهُوية : الذي عانى منه في الغالب أبطال الرُواية كُلُهم ، بداية من تشكك " بُرهان " أنه ليس ثمة شخص يُدعى " عجب جابر " و مُحسن المرفوض من قِبل عائلة والدته حيث نُصبت المِقصلة لذبح أبويه و هو في عُمر العشرة أيام جزاء الحب الطاهر الذي لم يقوَ على هذا الصراع بين آل سالم النجارين الفُقراء ، و آل مجاهد الإقطاعين المُتغطرسين . " بُرهان عجب جابر " الذي هو نفسه " عليش جاد الله " ، فكلاهما الأجير الفقير إبن المظلمة ، أسير الظنون . و دائرة الصِراع رُبما كانت ستنكسر أو تتوقف لو لم يخش " أبو السعود " قول الحقيقة ، فإن لم يكون " بُرهان " إبن حرام ، فقد عاش ربيب الخطيئة . لكن هذا التقيّ الورع هو أجبن و أحقر من سَكَنَ الهيش . ملحمة " الهيش " في مئة صفحة لا تقل في أثرها عن رائعة المنسي قنديل " يوم غائم في البر الغربي" : القرية الرابضة على شاطئ النهر ، حيث من لا عُزوة له يدهسه الناس بنعالهم و لا يحسبون له حسابًا و لا يُقيمون له وزنًا ، " الهيش" أزمة إلتفاف حول معاني الفضيلة و الشرف و بطش الرأسمالية ، " الهيش " مأوى المأزومين و الفُقراء و معدومي القيمة ، المخبوءين من الناس و الحيوانات . الجو الرمادي غَلَّف الأحداث كُلها حتى النهاية و كأنها مرهونة بالبرد و السُحب و الظلام و الطِّين! الجنس و الفضيلة : هما الجُثث الملفوفة في السِجادة طيلة الأحداث ، فكان الجنس هو أقوى الدوافع بعد الرغبة في البقاء و التمسك بالحياة ، ليكون إختيارًا من بين إثنين لا ثالث لهما ، إما الإنزلاق نحو نهر المُتعة العطِن ، أو إرتقاء سُلَّم الفضيلة . " القرية مثل مئات القُرى النائمة في حضن النيل ، هادئة وديعة ، يُعكر صفوها حادث أو فضيحة لإحدى النِساء تُضبط في غيط أو بجوار ساقية ، و كلها سُرعان ما تنسى و تعود إلى سابق عهدها ، هادئة وديعة ، يظل فلاحوها طيلة العام ما بين زراعة المحاصيل و السهر بجانبها خوفًا من دودة لا ترحم ، و لا تعرف كم عانوا ، أو من جراد غادر أو حتى من تقلُبات مناخ غير مُتوقع . حتى إذا جاء موسم الحصاد ، ترى الوجوه السمراء الناحلة أجسادها تحمل أسم معانى الرضا بما قسم الله من رزق و بما جادت به الأرض من خير و نعمة ، و المولد هو تقريبا مُتعتهم الوحيدة ، فتلك الجلود المُتشققة و الأبدان المكدودة المُصابة بعشرات من أمراض الزرع من حقها أن تسعد و لو أيام قليلة كل عام . و النهاية الرقراقة جديرة بها روح " بُرهان عجب جابر " التي لو لم يكن إسمها المُختار من قِبَل المُؤلف " الهيش " لاقترحنا عليه إسم " بُرهان عجب جابر " المُعذَّب حتى النهاية !