هذا الديوان - كما قال عنه البياتي - (سيرة ذاتية لحياة عمر الخيام الباطنية الذي عاش في كل العصور منظراً الذي يأتي ولا يأتي)، وأنا أعتقد أن الشاعر يشير بذلك إلى مشكلة فلسفية معقدة تخص منهج الصوفيين مقابل حوادث الثورة والمادة على السواء، وهي مشكلة الشرق كله الذي يقف الآن على طرف الطريق خالي اليدين في مواجهة العالم المزدحم بالنوايا والطرق. (وعمر الخيام) اسطورة شهوانية في الأدب العربي، وهو أقرب رمز شعري إلى ظاهرة اللامنتمي عند (كولن ويلسون)، ولكن البياتي اكتشف هنا وجهاً آخر لحقيقة المنهج الذي عاش الخيام بمقتضاه في نيسابور ومدن العالم الأخرى، مغرقاً أفكاره بالخمر والدوار على الدوام. والمفاجأة أن البياتي اكتشف (صوفية الخيام) عبر منهجه المادي وحده، وهو اكتشاف خاطف تحقق كله داخل ذلك البعد الشعري الذي انطلق البياتي في اتجاهه منذ (ملحمة الحلاج
ولد الصادق النيهوم في مدينة بنغازي عام 1937. درس جميع مراحل التعليم بها إلى أن انتقل إلي الجامعة الليبية، وتحديدا بكلية الآداب والتربية - قسم اللغة العربية، وتخرج منها عام 1961 وكان ينشر المقالات في جريدة بنغازي بين عامي 1958-1959 ومن ثم عُين معيداً في كلية الآداب.
أعدَّ أطروحة الدكتوراه في " الأديان المقارنة" بإشراف الدكتورة بنت الشاطيء جامعة القاهرة، وانتقل بعدها إلى ألمانيا، وأتم أطروحته في جامعة ميونيخ بإشراف مجموعة من المستشرقين الألمان، ونال الدكتوراه بامتياز. تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عامين.
درَّس مادة الأديان المقارنة كأستاذ مساعد بقسم الدراسات الشرقية بجامعة هلنسكي بفنلندا من عام 1968 إلى 1972.
يجيد، إلى جانب اللغة العربية، الألمانية والفنلندية والإنجليزية والفرنسية والعبرية والآرامية
تزوج عام 1966 من زوجته الأولى الفنلندية ورُزق منها بولده كريم وابنته أمينة، وكان وقتها مستقراً في هلسنكي عاصمة فنلندا، انتقل إلى الإقامة في جنيف عام 1976 وتزوج للمرة الثانية من السيدة (أوديت حنا) الفلسطينية الأصل.
توفي في جنيف يوم 15 نوفمبر 1994 ودُفن بمسقط رأسه مدينة بنغازي يوم 20 نوفمبر 1994.
كتب لصحيفة الحقبقة الليبية حينها، نشر أول مقالاته (هذه تجربتي أنا) مع بداية الصدور اليومي لصحيفة الحقيقة كما نشر بها :
- الكلمة والصورة
- الحديث عن المرأة
- عاشق من أفريقيا
- دراسة لديوان شعر محمد الفيتوري
نشر سنة 1967 مجموعة دراسات منها (الذي يأتي والذي لا يأتي) و(الرمز في القرآن)، وأصبح في هذة الفترة يمثل ظاهرة أدبية غير مسبوقة، وأخذ يثير اهتمام القراء، وكانت أطروحاته وأفكاره تتضمن أسلوباً مميزاً يشهد له الجميع بالحيوية والانطلاق،
وفي عام 1969 كتب دراسة (العودة المحزنة للبحر)، ونشر عدد من قصص الأطفال، وأهداها إلي طفله كريم، ونشر عام 1970 رواية (من مكة إلي هنا)، وفي 1973 صدر له كتاب (فرسان بلا معركة) و(تحية طيبة وبعد)، وأقام من 1974 إلي 1975 في بيروت، وكتب أسبوعيا بمجلة الأسبوع العربي، وأشرف على إصدار موسوعة (عالمنا -صحراؤنا -أطفالنا - وطننا - عالمنا)، ومن ثم صدرت رواية (القرود).
انتقل إلي الإقامة في جنيف عام 1976 وأسس دار التراث، ثم دار المختار، وأصدر سلسلة من الموسوعات أهمها(موسوعة تاريخنا - موسوعة بهجة المعرفة)، وعمل بجامعة جينيف أستاذاً محاضراً في الأديان المقارن حتى وفاته.
عام 1986 صدرت له رواية (الحيوانات)، وفي 1987 صدر له كتاب (صوت الناس)، وعام 1988 بدأ الكتابة في مجلة الناقد منذ صدور الأعداد الأول منها في لندن. استمر بالكتابة بها إلي أن وافته المنية في عام 1994، ص
رغم قراءاتي المحدودة في شعر الماغوط ومطر وجبران ودرويش، الا أني لم أجرؤ يوما على الاقتراب من الدراسات الشعرية لا من قريب ولا من بعيد، وذلك لسببين اثنين. يتعلق الأول بفقدي للشهية في تذوق الشعر والاستمتاع به، وهو مايجعل شروعي في قراءة دراسة عن عمل شعري كمن يحاول الاستماع لكلمات مقطوعة موسيقية صامتة! اما السبب الثاني راجع لافتقاري للثروة اللغوية اللازمة التي يستدعيها سبر أغوار المتون الشعرية، وبالتالي فهم الجوانب البحثية التي يتطرق الدارس إليها.
ولأنني اثق في براعة النيهوم التوضيحية لموضوعاته، فقد ولجت كتابه هذا مباشرة دون حتى ان أطلع على محتوياته، لأكتشف بعد صفحات أنه عبارة عن مجموعة من الدراسات البحثية التي يفكك فيها الجوانب المخفية من استلهام البياتي لمجموعة من الأدباء الفطاحلة الذين أثْروا الشعر العربي والعالمي كابي الطيب المتنبي، والحلاج، وابي علاء المعري، وبصفة خاصة عمر الخيام.
وقد استفاض النيهوم في شرح وتأويل اشعار البياتي، وخلص الى أن جل قصائده، التي كانت تنهل من فكر هؤلاء، تصب في حقل الدفاع عن قضايا أخلاقية وسياسية وثقافية، خاصة تلك المرتبطة بمقاومة الامبرياليات المستعمِرة، وفضح زيف اشباه المثقفين، والأقلام المأجورة الموالين لاصحاب الحل والعقد الراكعين لهذه الامبرياليات الغربية.
كما يقر النيهوم ان شعر البياتي ليس زاخرا فقط بطبقات مختلفة من التعبير الخارجي والداخلي التي يصعب فك شفراتها وتأويل معانيها، بل ان على قارئه، المتمرس، محاولة البحث عن معنى لأعماله ضمن سياقها التاريخي، الذي لايمكن بأي حال فصلها عن اشعار من اثّروا في تكوينه الادبي، كالحلاج والخيام...
ما يعجبني في النيهوم هو أنه يبني منهجاً خاصاً يصعد درجاته حين يبدأ بالتفسير و التحليل . ورغم أنه كان الكتاب الأقل إدهاشاً حتى الآن إلا أنني أرى أن هذه الدراسة الصغيرة أمتع من الديوان نفسه رغم عدم قراءتي له ولكن التعرض لبعض نصوصه من خلال الدراسه قد كشف لي ذلك . البياتي الشاعر الذي مسك عصا الصوفي لتقوده لتعبير عن صراع الثورة و جحيم الحياة .