العالم الذي تتخليه الرواية؛ شديد الغرابة، فقد المعنى أو كاد، كأنه غابة وحوش فيه اضمحلت كل القيم الإنسانية النبيلة، وناسه-إن كانوا أناساً-أشلاء، وكيان شتيت لا يتلملم، تقطعت أواصرهم، وغلبهم على أمرهم قارون. جارتي تسحب ستارتها... رواية فسيفساء في شكلها الجمالي. تضارع واقعاً فسيفساء على مستوى التجديد المحض، ومجانسة الأبنية الفنية للأبنية الاجتماعية "ضحى هي هذا الشرق" و"الأعرج" هو هذا... هذه الرواية روايتنا... في يومنا هذا، في موضعنا هذا.
4.5 stars Bookoholics' March 2016 Book from Tunisia
جارتي تسحب ستارتها هي رواية تقرأ وتعاش كالحلم. هي تجربة أكثر منها قصة. ويا لها من تجربة مميزة وممتعة! لقد أحببت كل فكرة وكل وصف وكل متخيل نبع من مخيلات الراوي القابع في غرفته. أتوق لقراءة المزيد من كتب محمد الباردي. أعتقد أنه من الكتاب الغير مقدرين مع أن روايته هي من أذكى ما قرأت!
ليست رواية تقليدية، بل هي عمل تجريبي وواعي يقلب الأنماط والنماذج الراسخة، ويصوغ لغة فنية جديدة تعكس عالمًا ممزقًا ومنهكًا أخلاقيًا. يتجنب الباردي الحبكة المتماسكة والمتسلسلة، ويصوغ نصًا يشبه الفسيفساء من قصص متداخلة وفجوات متعمدة ومقاطعات، مما يخلق تجربة قراءة مقلقة بقدر ما هي مثيرة فكريًا.
في قلب هذا الكون المجزأ يقف بطل الرواية المنعزل والسلبي — الذي لم يعد الفاعل التقليدي بل أصبح مراقبًا، وناقلًا للانطباعات، يراقب من خلف زجاج مقهى، أو من غرفته الخاصة، مركّزًا على فعل بسيط تقوم به جارته وهو سحب ستارتها. تصبح هذه الإيماءة التي تبدو تافهة استعارة قوية للسرية، والرغبة التي لا يمكن تحقيقها، والحواجز غير المرئية التي تفصل الأفراد في مجتمع تحكمه المادية الجوفاء والقيم المتآكلة -غابة من الوحوش حيث ذبلت المبادئ الإنسانية النبيلة وتحولت إلى بقايا متناثرة. من خلال تقنية تدفق الوعي، يغوص الباردي في خيالات البطل وإعادة بناء هويته لجارته، ليكشف ليس فقط عن دوافعه التلصصية، بل أيضًا عن شلل وجودي منتشر هو أحد أعراض الانحراف الاجتماعي المعاصر.
إن أكثر ما يميز هذه الرواية ليس موضوعها فحسب، بل شكلها أيضًا. فمن خلال رفضها للخطية وإبراز بنيتها النصية، تنتقل الرواية بشكل حاسم إلى مرحلة ما بعد الخيال. ويصبح الموضوع الحقيقي أقل ارتباطًا بالعالم الخارجي – الذي فقد تماسكه ومعناه – وأكثر ارتباطًا بواقع الرواية نفسها. هذا التحول الانعكاسي، حيث تدرس السردية عملياتها الخاصة، هو رد الباردي الفني الجريء على الواقع الخارجي المتفكك: تأكيد الواقع النصي كقوة موازنة لعالم مجرد من الأسس المستقرة.
بأسلوبها النثري الغنائي والقاسي في الوقت نفسه، تصور الرواية الشخصيات ككيانات مجزأة تكافح من أجل الأصالة والتواصل وسط فراغ أخلاقي، لتنتج صورة مؤلمة ومشحونة فكريًا للعزلة والانحطاط.
رواية تجريبية موجزة، أشبه بحلم غريب ومجنون... تبدأ الرواية كما تنتهي؛ إذ يقحمنا محمد الباردي مباشرة في تخيلات بطله دون مقدمات. كُتبت بأسلوب غير تقليدي، معتمدة على السرد الداخلي، ومشاهدها متداخلة، فتارة تكون واقعًا، وتارة أخرى يمتزج فيها الواقع بالخيال.
"لست أدري أكنت أتوهم هذه الأشياء أم كنت أصفها كما أراها، ولكن الأكيد أن كل صورة ارسمها هي جزء من حياتي الطويلة أو القصيرة"
يتسمر بطل الرواية أمام نافذته بلا حراك، يراقب بصمت ستارة جارته. تلك الجارة التي سيُشكّل لحياتها حكاية، ويعيد صياغتها بسيناريوهات متعددة.
إنها رواية عن تأملنا الطويل في التفاصيل التي لا يلحظها أحد سوانا، وعن تلك الأشياء الرتيبة من حولنا التي نحاول أن نمنحها معنى✨
بدت لي الجارة، في رمزيتها، كأنها ليست سوى امرأة يرنو إليها البطل ويتمنى امتلاكها، وما نافذتها إلا شق يتسلل منه ليهرب من سأم حياته الرتيبة✨
في النهاية هذه الرواية تجربة مختلفة تستحق المغامرة ، تشبه الحلم ، ولكنه حلم سيمكث في الذاكرة طويلاً 🤍