بأسلوبه الجميل يبعث الكاتب عصام حسن التفاؤل في نفس القارئ من خلال واحد وعشرين نصاً ومن الطبيعي أن تتسلل البسمة إلى شفتك أوتجد نفسك ضاحكاً أحياناً وأنت تقرأ هذا الكتاب. وحتى عندما يتناول الكاتب مواضيع تحمل في طياتها حزنا وألماً ستلمس البراعة في قدرة عصام حسن على بعث الأمل ولربما تنهي هذا الكتاب لتصبح أكثر إقبالاً على الحياة واستمتاعاً بتفاصيلها الصغيرة.
«في يوم من أيام الصيف، وقبل كثير من الأعوام، كانت عمتي أم علي في طريقها إلى الأرض، حاملة طعام الغداء لأفراد عائلتها الذين ينتظرونها على أحر من الجمر.. وكما تعلمون إن من يعمل في الأرض، يشعر بجوع شديد بمجرد حلول وقت الغداء ويبدأ بالتراخي مهيئاً نفسه للوجبة المشتهاة». تزخر نصوص عصام حسن في كتابه «حدّثينا يا شهرزاد- صادر حديثاً عن دار أرواد-طرطوس» بإمكاناتها من ناحية الأدوات، وتبدو جلية العلاقة مع التقنيات المستخدمة في الفنون البصرية والسمعية، السياق الكلي للنصوص أشبه بشريط تسجيلي، وكأن حسن يجلس أمام عدسة كاميرا من أول الكتاب حتى آخره -باستثناء نصي «أنا وابنتي والحب، وربة النمل»- ثم يبدأ بالسرد، ولذلك قد تبدو، للوهلة الأولى، صعوبة رؤية النصوص في قالب تقليدي، مما اعتدنا على قراءته وبحثه في أجناس الأدب الكلاسيكية، إذ تتنوع التقنيات المستخدمة: المونتاج المتناوب والمعالجة السينمائية والصور المتحركة وحتى الرسم الكاريكاتوري، حيث يمكن تصور بعض النصوص في لوحتين أو ثلاث تعلوها جملة كما في لوحات الكاريكاتور، وإذا كنا فيما نشاهده اليوم من الفنون البصرية كالسينما والدراما والمسرح نعاني أزمة في النص، فنحن في نصوص حسن نعيش الإشكالية ذاتها، فالنص غائب في حضور الإبهار، ويبدو ذلك من خلال الاستفادة من إمكانات وأدوات الفنون على تنوعها، وتكريس اليومي الذي نعيشه في جزئيات حياتنا وتفصيلاتها من دون أن يحضر النص بشخصياته وملامحها، والحبكة التي تحفر وتتجاوز أفق التوقع لدى القارئ. ضمير الغائب
في النص الأول «دق، دق، دق»، يصوغ النص بشكل مشاهد، ويحضر الصوت والحركة والديكور المكاني، إذ يستخدم جملاً كأنها قطع بين مشهد وآخر كجملة «أمرر كفي المرة تلو المرة فوق الجرن»، ويستخدم الفعل المضارع «أبتسم، أسلم، أبوسها، أرنو، أتعجب، أمرر، أتمتم، ألملم، أعود» وضمير الغائب ليظهر تناوب بين صوتين في النص الأول «تخجل، تحمر، تركض هاربة، تشكوني». وتظهر تقنية المونتاج المتناوب في نص «حكاية إيما»: الحوار بين الكاتب وصديقته، قصة صديقه مع إيما حيث تتناوب الشخصيات في السرد. ويحضر الحديث عن السينما من خلال استحضار مشهد كامل من فيلم في نص «فوق الحب» يبني عليه الكاتب حكايته عن الغربة ويستعين بالهاتف حلاً في عدد من المشاهد فينقلنا هذا الاتصال من مكان إلى مكان أو من فكرة إلى أخرى. المؤثر الموسيقي كان حاضراً في أكثر من نص ليملأ فراغ المكان أو الحوار كما في نص «رسالة على نصل السكين»، تشغل أغنية «تكبّر» أكثر من نصف صفحة وكذلك أغنية «زعلي طول أنا ويّاك» كما يذكر سيمفونية «شهرزاد» لـ(كورساكوف) وأداءها على آلة الناي في نص «فوق الحب»، ويذكر أيضاً في نص «أحصنة من حجارة، وحمار» أغنية من التراث الشعبي التي تغني للأطفال. يتجه الكثير من الكتاب المعاصرين إلى استيحاء وتناص فكرة أو شخصية أو اقتباس من سفر أو لوح في مقدمهم الإبداعي، لكن خطورة هذه التجربة يمكن أن نصوغها في السؤال الآتي: هل اقتدر النص الجديد على تجاوز القديم أم إنه كان متعالقاً معه من غير القدرة على الخلاص منه في منتج ناضج كامل الشروط الإبداعية؟ يحاول بعض الكتاب هزّ جذوع الأدب فهل تساقط علينا رطباً جنياً أم ورقاً يابساً فحسب؟ شهرزاد اليوم
لا يخفى على أحد من أهل الأدب والنقد ماتحفل به ألف ليلة وليلة من أساليب السرد والتصوير والتقنيات، التي استخدمها أدباء عصرنا كماركيز، وهنا تبدو الغواية التي أوقعنا فيها عصام حسن، فشهرزاد خرساء جميلة ترقص وذات إمكانات مقيدة حسب رغبة الكاتب رغم أن شهرزاد بحسب ما وصلنا، قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين، ويقال إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء، فأين شهرزاد المقدمة في النص من شهرزاد التي استطاعت الخلاص والنجاة بحياتها من خلال القص، وقد تجوز لنا مقاربة إنسان هذا العصر بإنسان العصر العباسي حين ازدهار الشعر والترجمة والأدب والفكر بإنسان عصرنا -الذي يعيش حالة الجمود والخواء ما يقارب النصف قرن- واستيراده وتأثره بما أنتجته ثقافات أخرى ومحاولة تشويمها «جعلها بنت البيئة الشامية»، فهل نجحت هذه المحاولات، أم إننا كنا نكتفي بالتصفيق لكل وافد جديد من دون هضمه وفهمه ضمن سياق البيئة والمكونات الاجتماعية والنفسية للإنسان المتوسطي أو الشامي؟ الأدب -حسب رأي بعض النقاد- يعد عملاً فنياً يضارع فن الرسم، ويعمد إلى التقريب بين النص المتخيل واللوحة المرسومة، فيصير بذلك ضرباً من الفنون الجميلة، فالمشاهد في هذه النصوص تحضر بعين الرسام، الكاتب يفكّر بمخيال رسمي تلويني لا زمن له مثل اللوحة، إضافة إلى الحديث عن الأعمال الفنية واللوحات في أكثر من مكان كما في نص «الصفحتان 20 و16»، حيث البطل الغائب يكون رساماً ويرسم 365 وضعية للشخصية الرئيسة في النص. تمكن رؤية نص «البحث عن وظيفة» في ثلاثة أو أربعة من الرسوم تحوّلت إلى أربعة مشاهد قصصية، عناصرها: برميل أزرق، حمار واقف أمام البلدية، رجل في برميل يضرب الحمار وفوقه دائرة مكتوب فيها: قلتيلي بدّك تتوظّفي بالبلديّة؟. وفي نص «أحصنة من حجارة، وحمار» تبدو اللوحة مقحمة والنص بكامله موزعاً على أساس هذه الصورة، يقول: «عش صغير، بضع حجارة مبعثرة يعمّرها منازل، يرصفها أحصنة، يرتبها خطوطاً كقافلة الجمال يتقدمها حجر صغير أخرق هو قائدها، الحمار». يستخدم الكاتب الكولاج collage وهو إلصاق شيء على شيء آخر وليس توظيفه لهذه التقنية بإلصاق حكاية إلى حكاية، وإنما كان بجمع الأبعاض من اليوميات والذكريات والرسائل كما في نص «دفتري الأسود، قلبه أبيض» وكذلك استعان بها في نص «الصفحتان 20 و16». ويتجلى تفعيل الكتابة القصصية بوساطة الرسم من خلال كيفية بناء الشخوص والإشارة إلى مفاهيم: الحركة والكتلة والشكل والضوء واللون والظلال كما في نص «حكاية إيما»: كانت تتحرك بخفة فراشة، تنحني لتلامس بيديها الأرض، تعود لتنتصب كقصبة على ضفة ساقية، مدعية أن عصفوراً حطّ عليها، فتميل وتميل وتميل، إلى أن تلامس خصلات شعرها مويجات الماء فيشرب العصفور ويطير، ثم تستقيم لتضم الهواء بذراعيها... وتتابع رقصتها منتقلة إلى وضعية حزينة، تتكور على نفسها برهة كمن يفكر في أمر ما،... تنتفض ضاحكة برشاقة غزالة، فتدور في رقصة الدروايش،... فتنساق لها الظلال، وتعود إلى مراقصتها من جديد. جمالية الحكي
يذهب الجرجاني إلى أنَّ الألفاظ خدم للمعاني وأوعية لها، فهي تتبعها في حسنها وجمالها، وقبحها ورداءتها، أي إنَّ للألفاظ وظيفة معينة عليها أن تؤديها، وإلا فلا قيمة لها في ذاتها، على أنَّ الألفاظ تتحدد قيمتها بمقدار ما توحيه من داخل الصورة المركبة، وهذه هي خلاصة نظريته في (النظم)، وإذا أردنا الوقوف على شعرية النثر أو التخييل في النصوص، على جمال الحكي وقربه من المتلقي فيها، فإننا نلمس بوضوح انحدار اللغة وانزياحها وتأسيس عدد من الخطابات في النصوص على أساس الذاكرة الجمعية اليومية التي تحفل بها طفولة الكثير منّا من دون أن نشعر بالتذوق الجمالي الذي قد نتوقعه، يقول في نص «العصافير لا تلبس ربطات عنق»: فمن المستحيل أن تراني تاركاً مخطتي المطاطية تتدلى من أنفي وأنا ألعب الكرة أو الكلول (الدحل). التجريب في نصوص حسن يحسب له في محاولته لتخصيب المتخيل وإغناء الدلالة من خلال الفنون، ولكن الافتقاد إلى الشخصية يبدو واضحاً، فالشخصيات تظهر من خارجها من دون أن ندخل أعماقها ونسمع صوتها الداخلي، والنص من دون الشخصية يحيلنا إلى استخدام كثير من أدوات التعبير كالصور والموسيقا والكليب والشعر والمقالة من دون القصة أو الرواية والتي هي -أي الشخصية- عماد هذين الجنسين.