من سنوات، في شهر رمضان، أفردت إحدى القنوات العربية برنامجاً للدكتور محمد شحرور الذي قدّمته على أنه باحث ومفكر إسلامي، وقدّم نفسه على أنه صاحب مشروع تنويري. أثار البرنامج الجدل منذ حلقاته الأولى بسبب الآراء الصادمة التي طرحها الدكتور، والتي تتعارض مع التعاليم الإسلامية وذلك في أقدس شهر عند المسلمين. في الوقت نفسه دافع البعض عن طرحه لأن د. شحرور على حد زعم أحدهم لا يقدم نفسه كمفتي ومن ثم يجب على المشاهدين ألا يعاملوه على أنه كذلك فهو مفكر يطرح أفكاراً لا فتاوٍ.
فما هي أفكار د. شحرور؟
دعا شحرور الفقهاءَ وأهل "الإفتاء" ألا يجيبوا عن جميع الأسئلة، وأن يمنحوا الناس فرصةً للتفكير فيما يفعلونه هل هو حرام أم حلال. وفي كتابه "الكتاب والقرآن" زعم أنه: "وضع أسساً جديدة للفقه الإسلامي تجعل منه فقهاً متطوراً مرناً، منسجماً مع فطرة الناس، وصالحاً لكل زمان ومكان". هذا يعني أن الدكتور لا يقدم أفكاراً فحسب، ولا يقدم فتاوى، إن الأمر يتجاوز كل هذا إلى وضع "أصول فقهية جديدة"، والأصول الجديدة تقتدي أحكاماً جديدة قام باستنباطها مثل عدم حرمانية التبني، وعدم حرمانية العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة غير المتزوجة خارج إطار الزواج، وتقتدي أيضا تصوراً جديداً للإله الذي يرى الدكتور أن علمه هو: "علم بكافة الاحتمالات قبل وقوع الحدث، ولكنه ليس علما حتمياً بأي خيار أو احتمال سيتخذه زيد أو عمر"
ولكن ما علاقة كل ذلك ببيضة الديك؟
للدكتور محمد العوضي مقولة هامة: "إذا أردت أن تنتقد فكراً فلا تحاكم الآراء المبعثرة لهذا الفكر، بل حاكم المنطلقات والمنهج أي الأساس التى بُنيت عليها هذه التفريعات، أما مناقشة تفريعة معينة مع إغفال الأصل فهي لن تصل لنتيجة مرضية". إذا قام الفقهاء بالرد على كل رأي وحكم جديد يأتي به د. شحرور فلن تنتهي هذه الدائرة المفرغة، ولكن إذا تم نقد منهجه الذي تقوم عليه هذه الآراء وإظهار عواره للعيان، سينصرف معظم الناس عنه وستختفي هالة الانبهار بآرئه لأنها وبحسب ما سنرى مبنية على أساس متهافت.
في كتابه الكتاب والقرآن الصادر في تسعينيات القرن الماضي ادعى د. شحرور أن صديقاً له، عالم لغة، قد أطلعه على أسرار اللسان العربي، وعرّفه آراء الفراء وأبي علي الفارسي، وغيرهم من علماء اللغة، وأن إطلاعه على هذه الأسرار قد مكنه من أن يؤول القرآن تأويلاً مستحدثاً يصلح لكل زمان ومكان. هكذا ادعى الدكتور اتباعه منهجاً لغوياً أوصله لأسس فقهية جديدة، وبما أن اللغة العربية كانت تخصص الأستاذ يوسف الصيداوي رحمه الله، فقد قام في كتابه بيضة الديك بنقد هذا المنهج وبيان مدى تهافته، بل وعبثيته. وقد قام الكاتب يوسف سمرين بمحاولة مماثلة للوقوف على منهج د. شحرور في كتاب بؤس التلفيق، ولكنه استشهد بعدد كبير من مؤلفاته وليس بكتاب الكتاب والقرآن فحسب.
قام الصيداوي بذكر العديد مواطن الضعف في هذا المنهج مستشهداً بعشرات المراجع. سأكتفي بذكر ثلاثة منها:
*الكتاب شيء والقرآن شيء آخر:
يزعم د. شحرور أن كلمة الكتاب التي جاءت في القرآن بمعنى القرآن لا تعني القرآن، ومن حججه: "أن اللسان العربي لا يوجد فيه ترادف، وإن المترادفات ليست أكثر من خدعة"
- بحث علماء اللغة قضية الترادف فرضى فريق بوجوده في اللغة وأبى ذلك فريق آخر، فأما الذين أبوه قالوا: للشيء اسم واحد فما زاد عن ذلك فصفات له، وعليه فهناك من يعتبر السيف والمهند مترادفان، وهناك من يعتبر كلمة المهند والحسام والصارم صفات للسيف، فكلها تدل على الحديدة التي يكون بها القتال، ولكن أحداً من علماء اللغة لم يقل أبدا بأن المهند غير السيف والحسام غير المهند.
وأبو علي الفارسي الذي ذكره د. شحرور ضمن علماء اللغة الذين ألهموه منهجه له قصة يقر فيها أن السيف اسم والمهند صفة ولم يقل أبدا أنهما يشيران لشيئين متغايرين.
أما قراءة الدكتور المعاصرة التي توصلت إلى أن "المترادفين متغايران" أُريد منها التسلل من معنى الترادف إلى باطل لا علاقة له بالترادف من قريب ولا بعيد. هذا التسلل يسميه الصيداوي: "التسريب"، فهو يسرب معنى غير صحيح بأكثر من طريق، ثم يلح في تكراره، وبعدها يبني عليه استنتاجه: الكتاب ليس القرآن، والقرآن ليس الفرقان. وإذا تساءلت عن الهدف من وراء كل هذا، فالهدف هو أن تصل إلى نتيجة أن القرآن جزء من الوحي، وليس كل الوحي، فهناك الكتاب وهو أعم من القرآن وهناك الفرقان وهو لا يوضح ما هو، المهم أن تتزلزل ثقتك في أن القرآن هو كل الوحي.
*تفسيره لكلمة جيوبهن الذي ينفي به حكم الحجاب:
عندما بحث الصيداوي عن كلمة جيوبهن في المعاجم اللغوية وجد التالي: "جيوبهن: جمع مفرده جيب وهو الموضع الذي يُقَوَّر من الثوب ويدخل منه الرأس فيبدو منه النحر والعنق". هكذا عرف العربي كلمة الجيب واستخدمها في أشعاره، قال طرفة بن العبد:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله، وشُقّي علي الجيب يا ابنة معبد
أما كلمة جيب بمعنى الشق في يمين الثوب أو يساره توضع فيه الأشياء ككيس، فكلمة مولدة عرفها العرب في عصور لاحقة أي تعتبر كلمة عامية. بينما الجيب بمعناه المذكور آنفاً هي الكلمة الفصيحة. لكن د. شحرور بقراءته المعاصرة فهم الجيب كلفظة عامية أي: "الجيب كما نعلم هو فتحة لها طبقتان" وعلى هذا الأساس أوّل حكم الحجاب كالتالي: "فالجيوب هي ما بين الثديين وتحت الثديين، وتحت الإبطين والفرج والإليتين"، هذه الأماكن فقط هي التي تستوجب التغطية!
لأننا غير متخصصين في اللغة تقف معرفتنا بالجيب عند المتعارف عليه حالياً (لاحظ استخدامه تعبير "كما نعلم")، فهل يستغل د. شحرور غفلتنا عن الفصحى ليقرر لنا حكم لم يقل به أحد من قبل؟
يبدو أن هذه هي القراءة المعاصرة التي في عرفه تجعل القرآنَ صالحاً في كل زمان ومكان، والدليل على ذلك أنه يرى أن ملك اليمين معمول به الآن في الغرب، وأن المساكنة وهي انتقال الرجل والمرأة للإقامة في منزل واحد وتعاملهم كالأزواج بلا عقد هي تطبيق لملك اليمين! وبالتالي في نظره ليست محرمة ولا تعد زنا مادامت بتراضي الطرفين ومادام كل من حولهما يعرف أنهما تساكنا. وهكذا استشهد الدكتور بالمساكنة ليدلل على تطبيق حكم قرآني في ضوء قراءته المعاصرة.
*جدلية ماركس وإنغلز تُفسر كلمة التسبيح في القرآن:
ذكر د. شحرور في مقدمته أنه وأستاذه الذي علمه أسرار العربية قد صاغا معا قوانين الجدل، وعلل ذلك بقوله: "وذلك للدقة المتناهية المطلوبة في صياغتها"
كلمة الجدل قد لا تقرع جرساً لدى القارئ العادي أو لدى غير المتخصص، ولكن أي قارئ سمع بالمادية الجدلية سيعرف على الفور أن قوانين الجدل هي نتاج فلسفة ماركس وإنغلز والتي أسست لمنهج مادي يفسر العالم كله عن طريق المادة، فالمادة عندهم مستكفية بنفسها مستغنية عن خالق يوجدها، لأن المادة هي الأصل وأي موجودات ظهرت فيما بعد هي ثمرة للمادة، كالروح والفكر وحركة التاريخ. يقوم الجدل على أن كل شيء في الكون هو أطروحة وله بالضرورة طباق (أي ما يناقضه وينفيه) ومن هذا التنافي ينشأ التركيب الذي هو شيء جديد لا هو أطروحة ولا طباق وهذا هو نفي النفي.
كتم د. شحرور اسم هذين الفيلسوفين، وعزا لنفسه ولمعلمه صياغة قوانين الجدل التي قام على ضوئها بتفسير التسبيح كما يلي:
إن صراع العنصرين المتناقضين يؤدي لتغير شكل كل شيء باستمرار وظهور شكل آخر وفي هذا الصراع يكمن السر في التطور المستمر مادام الكون قائما. ثم يقرر الدكتور أن هذا ما أطلق عليه القرآن مصطلح التسبيح، فالتسبيح جاء من سبح وهي الحركة المستمرة كالعوم في الماء، وهذا الصراع ينتج عنه مقولة أن الموت حق والله حي باق.
- لن تجد اختلافاً بين أول جملة للدكتور وبين قوانين الجدلية المادية، لكنه مع ذلك يحمل الجدلية المادية ما لم تنادي به. إن المادة في نظر هذه الفلسفة المادية سرمدية، لا بداية لها ولا نهاية لها، أي أن الكون سيظل قائماً و"لن" ينتهي، فلا بعث هنالك ولا حساب، وبهذا يكون قد أعمل الفأس في الماركسية نفسها وألبسها ثوباً لا ترضاه.
-يقول أن هذا الصراع ينتج عنه أن الله باق!
الله حي باق سواء وجد هذا الصراع المزعوم أم لم يوجد، وبقاؤه لا يمكن أن يكون نتيجة لشيء، حاشاه.
-أما عن تفسيره لكلمة سبح، فلا يوجد في أي معجم ما يفيد أنها "حركة مستمرة" ولكن هذا من عند الكاتب على سبيل "تسريب المعنى للقارئ" حتى يقنعه بفكرة الصراع الدائم، فابن فارس في معجمه يقول: سبح: العوم في الماء، والصيداوي يؤكد أن عبارة الحركة الدائمة التي سربها د. شحرور لا وجود لها في شرح مادة سبح في أي معجم، فانظر كيف يبني الدكتور استنتاجاته على معاجم لا وجود لها وفلسفة مادية تجافي طبيعة الدين الإسلامي.
يتضح من النقاط السابقة أن منهج د. شحرور "اللغوي" لا سند له من اللغة التي أنزل بها القرآن، فمعاني اللغة لا تثبت بالتفكر، وإنما تثبت بالنقل والرواية، وليس في ذلك جمود فكري، ولا عيب في اللغة العربية، لأنك إذا قرأت إنجليزية شكسبير لن تقرأها إلا بمعاني لغة عصره، وإلا اختل المعنى. فلماذا لا يُفهم القرآن بلغته العربية الفصحى التي نزلت كما فهمها العرب؟ ولغتنا العربية لغة مخدومة جُمعت ودُونت وضبطت ألفاظها. وعلم علماء اللغة أن الانحراف بالكلمة فيه هدم لمعنى العبارة، لذا عرضوا أي كلمة مختلف فيها على شاهد من القرآن أو السنة أو لسان العرب، ليفصل في إذا ما كان ما يذهبون إليه يجري على سنن لسان العرب أم لا، وعلى هذا أساس بنيت لغتنا العربية.
هذا إلى جانب المنهج "الخفي" الذي اتبعه الدكتور ومنه:
١. عدم ذكر أي مصادر لكتاب من ٧٠٠ صفحة، ألا يثير هذا التساؤل؟
٣. اجتزاء الكلام على طريقة لا تقربوا الصلاة مع عدم ذكر المصدر، وهذا بتعبير الصيداوي اغتيال لغفلة القارئ.
٣. طريقة التسريب أو الدبيب.
٤. إدعاء أصالة الفكرة مع كتم أي دليل على أصلها مثل إدعاء صياغة قوانين الجدل.
يرى الصيداوي أن لشحرور "طريقة عرض وتفكير خاص. فهو ينطلق من فكرة ثابتة ومقررة في نفسه ثم يشرع بعد هذا في البحث عما يؤيدها، متخطياً إليه ما لا يجوز تخطيه، فإذا لم يجد المؤيدات ارتجلها، حتى إذا أشرف على غايته المقررة في نفسه: قال يُستنتج من هذا …"، حيث لم تصح مقدمة ولا صح استنتاج"
وأعتقد أن الصيداوي كان محقاً.