قال (أدورنو) في عباراته الشهيرة أن الشعر بعد محرقة أوشڤيتز صار مستحيلاً.. فظاعات الحرب الكبرى حقنت بالتالي انتاجات العصر الفكرية بالعدمية و السوداوية. في هكذا سياق نمت نصوص (سيلان)، يتراءى لنا من وراءها الشاعر مهزوزاً، و طيف لكيان ممزق مليء بالندوب، تائهاً و مشوهاً على شاكلة منحوتة (جياكوماتي) العظيم.. https://maryckhayes.files.wordpress.c...
قبل أن تنفذ، أو بأقلّه تحاول، الى عالم (سيلان) السريالي الشعري الغريب، اقرأ عن حياته السوداوية التي أنهاها ذات ليلة بإرادته. تعرّف أولاً على ذات صاحب أشهر قصائد المحرقة "حليب أسود". ذات شاعر معقّدة صنعتها حياة مأساوية في كل تمفصلاتها، و هوية يهودية ولدت في زمن القصاص و التعذيب، و على قوميته المنفيّة المقصاة عن جذورها. كل هذه العوامل صنعت كآبته الوجودية، مكمن أكداس آلامه و انفعالاته التي تنهل منها آلته التخييلية و تتنفسها قصائده. شهد (سيلان) في طفولته اقتياد امه الى غرف المحرقة، ثم لم تعد. عاش بعض الحرب في معسكر أشغال شاقة. كبر دون أن يفهم لما يفقد عقله تدريجياً و يمضي شهوراً في المصحات، و لم يداه لم تتوان عن ايذاء زوجته التي يعشقها، حتى أقصته عنها نهائياً فكان له قصاصاً لا يحتمل.
قصائده مشحونة بتراجيديا هذه الحوادث الحياتية المترسبة بين عباراته، لا يمكن فصلها عنها:
"الأصوب، و هو ما تشي به قصائده، أن مقتل أمه و اجتثات جزء من شعبه لن يشكّل سوى تعلّة، شائنة و رهيبة مع ذلك، كيما تستنفر الآلة التخييلية الجبارة، التي كانها، منتهى جسارتها و إقدامها و تنقاد إلى المكمن الأصلي لأكداس الآلام، الفداحات، التخرّمات، الجراحات، التي تلازم الكينونة الإنسانية في إطلاقيتها العابرة للفروقات و الاختلافات و التفاوتات، و من ثم سيتحدد مردود الشعر و جدواه الروحيان، لدى بول سيلان، في اقتداره، من عدمه، على تغوّر هذه المنطقة الوعرة، و توفّقه إلى تسمية، و لعله التعبير المحبّب عنده، الأشياء و الحيوات و الانفعالات و التّوضعات و المصائر و تعيينها حتى لا تبقى فريسة للسديمية و الخواء و اللامعنى و العماء.. للانحطاط و الخسّة و الهمجية و اللاّتسامح.. و تمكين الإنسان من أفق شفاف، مستحق، لمباشرة مروره الأخلاقي و الحضاري نحو امتلاء مُرجأ أبدَ الدهر." [من ترجمة بنعيسى بوحمالة لكتاب جون إ. جاكسون]
نهلت جملته الشعرية ترميزاتها و مجازاتها شديدة الكثافة و التقعّر من مخزون تجاربه الحياتية المأساوية الكثيرة. فهذه الأخيرة هي بمثابة خارطة طريق و تقرير طب نفسي تمدّ برؤوس أقلام تعرّف بلغته الخاصة. و تدلّ على أبعاد بعض رموزه و ايهاماته و صوره المجازية و على مقاصد مصطلحاته التي ما انفكّ يمغطها ليأخذها الى أبعد من معناها القاموسي، الى وظيفتها التي في رأي موريس بلانشو هي "التوجيه نحو"، حيث تكتسب قصيدة (سيلان) حركيتها نحو المعنى، نحو حقيقة ما..
يخيل اليك أن كثيراً من قصائده حوارية، حواراً متستراً كالوشوشة في خلفية القصيدة، لا بين المتكلم و الغائب فقط، بل أيضاً بين أناه الباحثة و أناه المنشودة، و بين أناه دائمة السعي لتتواصل و أنا أخرى مفقودة.. هذه الحوارات على مستويات متعددة تحمل تجاذباً و تضاد بين كثير من الثنائيات: بين الحاضر و الغائب، الواقع و الوهم، الجامد و الحركة، الحياة و العدم، الشر و الجمال..
لحظت أن كثر يجدون جملته الشعرية، المبعثرة أحياناً كثيرة بين عبارات مقتضبة، على طريقة (ماياكوفسكي)، تخلق صورا تجريديّة بإفراط حتى تفقد جاذبيتها، و تصبح زئبقيّة التقاطها عسير، غير منطقية في تتابعها، ممعنة في الترميز المبهم و الإيحاءات ، لتكتسب بذلك أبعاد غريبة، ضبابية شكلاً و معنى، لكأنها تخشى الضوء و الوضوح و المباشر و الصريح. بحسب قراءتي الشخصية، بعض العبارات سيتفكّك تلقائياً، و اخريات مستعصية ستبقى مستنكفة دلالياً و تتركك حائراً في مقاصدها، متسائلاً ذهنياً في أي فقرة أو عبارة أو كلمة أضعت أثرها، لذا عليك بقراءتها قراءة متأنية و بطيئة، عساك تلتقطه من أذنه، من فمه، من يده. أحياناً ستتأفّف و أحياناً أخرى قد تكافأ..
عن لغة (سيلان) الشعرية بالألمانية، لغة جلاّديه التي برع بها و طوّعها حتى قيل فيه أنه أعظم شاعر معاصر كتب بالألمانية، يقول الشاعر الفرنسي (جيل براسنيتزار) : "لغة سيلان، لغة متشظّية، متصدّعة؛ فقصيدته هي تحلّل لتلك المعرفة الغربيّة التي قادت إلى معسكرات الإبادة، ولكنّها تحمل في رحمها طحالب يمكن أن ينبعث منها نبات جديد. وللغة الجلاّدين أعدّ سيلان لغة مضادّة؛ ومن اللّغة الألمانيّة المشبعة برائحة الموت والتي غالباً ما تتسلّق نحو المعتّم والمبهم، صاغ سيلان لغة للنّجاة وتطهير النّفس، لغة للخلاص".. لغة المانية سيسعى لتطهيرها من دماء لوثتها. لغة شعرية واسعة الفضاء، تتمدّد بين ميادين معرفيّة بسعة فضوله، فتستعير مفرداتها من علم النباتات، من طقوس الكبالا، من اليهودية، من التاريخ.. سيستحضر في مجازاته و استعاراته حتى الجيولوجيا، لأنه عاش خلال الحرب في معسكر للأشغال الشاقة أجبر فيه على تحطيم الحجارة. هذه الحجارة التي هوس بها سنتعثّر بها تقريباً في كل قصيدة..حجارة ثقيلة ثقل مكنونات اللغة التي لم تتحرر بعد من سوداوية العصر الكئيب. هي لغة بثقل الحجارة بعدما اختطفها خطاب الحرب و التقاتل و الكراهية، و خطاب الحداثة التي قادت الى الإبادة و المجازر ..لكن ببراعة لغته الشعرية سيحاول أن يحررها من محمولاتها الثقيلة ليطلقها في فضاء التخييل الواسع :
(من وقف معك؟) الحجر شبيه القبّرة من الأرض البور. لا صوت، ضوء الموت فقط قد يُحمَل معه. الارتفاع يتلوّى بقوة أكثر منكم.
*** (وردة) الحجر. الحجر في الهواء، الذي تبعته. عينك، عمياء أيضاً مثل الحجر. نحن كنا أيدي، غرفنا الظلام حتى الفراغ، و وجدنا الكلمة، التي أطلعت الصيف: وردةً. ..
*** (المنحدر) أنت تحيا بجانبي، مثلي: كحجر في وجنة الليل الغارقة. يا هذا المنحدر، أيتها المعشوقة حيث نتدحرج بلا انقطاع، نحن الحجارة، من مجرى لمجرى. شيئاً فشيئاً أكثر تكوراً أكثر تشابهاً. أكثر اغتراباً. ..
*** (خطاطة لمشهد)
أجداث دائرية تقبع أسفل الفصول الأربعة و خطوة من عام تنبس في أراض أدراج وعرة حمم، بازلت، حجر ما انفك ينمحق في جوف العالم الرّسوبي، الثوران، المنشأ و حيث لمعة ضوء تزمع على أن تكبر من أجلنا في أيّما نقطة قبالة حيثما ينبلج مهبّ النفحة الأخضر الزيتي ما زال يتلقى ضربات سياط البحر و الساعة العصية على الإفهام، المثبتة ناحية مكان ما لا تمانع في ارتداء لون رمادي في الأعلى يتبدّى سرج حجريّ محفور، تدثره التتمة بينما رأس حيوان يأخذ هيئة نيزك مؤتلق.
ان لغة (سيلان) حادة كنصل سكين، ينحر بها الصمت فتتبدّى قصيدته كصرخة تستنسخ صرخات ضحايا شعبه. صرخة انسان يهوي في حفرة العدم و الفناء، هي باب خروج لمغادرة عالم محطم، مفكك، لا معنى له. كلماته ساخنة تلسع لسانه حين ينطق بها و يحرق يديه حين يكتبها. لكنها ملكيته الوحيدة، أداة تعبير يحارب بواسطتها ارتكان الانسان الناجي لنسيان هول أفعال أشباهه. لذا لم يناد (سيلان) في قصائده الموت، بل الحياة، لأنها المقوّم الأوحد للذاكرة التي ستحيي الضحايا و تطرد النسيان.
هي لغة زاخمة بالتشنج، بالتوتر، بالحميمية، بالتوق للانعتاق من ذكرى الفظائع التي أوصلته الى الجنون المطلق.. خاطب بواسطتها الحبيب و الأشياء و المدن و الآلهة و العواطف، علّه يستدرك حاضره و وعيه و رغباته، لكن بدلاً من أن يحتضن عبرها الخلاص و الغفران كما آمل، هزمه الواقع فساقته الحياة الى غرف المصحات العقلية. كأن (سيلان) كان يبحث عن بقع فراغ في المجتمع ليحتمي بها منه .... كأنه لا ينتمي الى حاضره بل الى ماضيه، تلاحقه نوازع بارانويا و توجّس من أن تستيقظ العنصرية و العدائية ليهوي المجتمع في آثام الجريمة من جديد.
لعلّي أضيف أخيراً، للأسف ليست اللغة العربية برأيي الشخصي هي الأمثل لتخلق الفضاء الإيقاعي و الدلالي لتحلّق قصائده رغم أن الترجمة ممتازة.
هذه نصيحتي، اقرأها أكثر من مرة، ابحث عن الايحاءات المحتجبة للصور و عن مقاصد الرموز المتوارية، أنصفه، و قد تكافأ بدورك فتطفو أبعاد و مدلولات شعره الى السطح، كما طفت جثته في نهر السين بعد انتحاره و التقطها صياد بصنّارته.
* (كيف تميت نفسك فيّ): حتى في آخر عقدة نَفَس بالية مفروز أنت مع شظيّة حياة.
* (طعّمت عينيكِ) بالرز، الذي دلّ الغابات على الطريق: متآخ مع النظرات ينبّت البرعم الأسود. بعرض السماء نصب الرمشُ نفسه لهذا الربيع. و بطول الرمش مدّت السماء نفسها، و تحتها مغطاة بالبرعم، الأبدي يحرث، الربّ. إنصت للمحراث، إنصت. إنصت: إنه يصرّ فوق الدمعة الصلبة، الفاتحة، الأزلية.
* (ندى). و أنا كنت ممدداً في المطحنة معك قمرٌ موحل قذفنا بالجواب، انحللنا عن بعضنا و اجتمعنا ثانية في واحد: الربّ قطّع الخبز الخبز قطّع الرب.
* (فقط عندما) ألمسك كظلّ تصدّقين فمي، أنه يتسلق مع المعنى المتأخر، هناك حول أحواش الزمن..
* (كفن) ما تنسجه من الخفّة، ألبسه تكريماً للحجارة. عندما في الظلمة أوقظ الصرخات، يهبّ عليها. غالباً، حين يجب عليّ التلعثم، يلقي بتجعيدات منسية، و الذي هو أنا، يسامح ذلك، الذي أنا كان. لكن ربّ الجبال يلامس أطرش طبل له، و كما تنحلّ الجعدة، يقطّب الشرير جبهته.
* (إستحالة قراءة هذا العالم) كلّ شيء فيه مضاعف الساعات القوية تغطي ساعات الافتراق الحقّ ببحّة. أنت الذي أعماقك محشورة، تخرج من نفسك الى الأبد.
* (في بوق الضباب)
فمٌ في مرآة مخفية، انحناءة أمام عمود الكبرياء، يدٌ بقضيب "سجن". قدّموا لأنفسكم الظلام تلفظوا إسمي قودوني اليه!