"حكومة من الشعب، يختارها الشعب، لخدمة الشعب، لن تفنى عن وجه الأرض" -أبراهام لينكولن
كتاب ممتاز العرض وموجز واضح لهيكل هذه الدولة العتيدة الطاغية، التي لا نعرف عن نظامها كثيراً ولا قليلاً فيما أظن، اللهم إلا ما يعني منطقتنا البائسة من خطط عدوانها وتحكمها وتجبرها.
والكتاب من إنتاج «وكالة الإعلام الأمريكية» التي هي إحدى الهيئات المستقلة عن الوزارات والتابعة للحكومة الفيدرالية، أي السلطة التنفيذية، وعمل هذه الوكالة-كما يقول الكتاب- هو السعي إلى"تعزيز فهم أفضل للولايات المتحدة لدى الدول الأخرى عن طريق نشر معلومات في الخارج عن البلاد وشعبها وثقافتها وسياستها." وبعبارة أصرح وأوضح، هذا الكتابة دعاية أمريكية رسمية تحمّل تكلفتها دافع الضرائب الأمريكي. ولكن فلننصف القوم، ونقل أن هذا الكتيّب اللطيف الكثيف المعلومات على علّاته ووضوح الهدف من وضعه ونشره-وهو التأثير والدعاية-إلا أنه حاول أن يقدم ويُجمل الحقيقة والواقع الأمريكي للقارئ من غير إبراز فج وقح للمحاسن أو إخفاء غبي مسرف للمساوئ، لقد قدم للقارئ أمريكا كما "يُفترض" أن تكون، وتقريباً كما هي كائنة عليه.
الثغرات في النظام واضحة والكتاب لم يجهد في التعمية عنها. من أبرزها في نظري العبء الانتخابي الهائل على عاتق المواطن الأمريكي، الذي عليه أن يشارك في انتخاب الرئيس، وأن ينتخب مجلس النواب ومجلس الشيوخ وحاكم الولاية ومجلس الولاية ومجلس المقاطعة ومجلس المدينة وهيئة القضاة وهيئة المحلفين ولجان التعليم وأعضاء الحزب، وأن يشارك متى ما دُعي إلى الاستفتاءات والعرائض والتوقيعات! هذا ما يمليه عليه نظامه الديمقراطي، لكن الحاصل والواقع بالتأكيد غير ذلك، فالمواطن الأمريكي تستنفد معظم وقته وطاقته أعماله وشؤونه ومشاقّه الخاصة، وناهيك أن حظه من التعليم والثقافة العامة، ومن الاطلاع والمتابعة الخاصة لكل قضية؛ حظ ضئيل مهما كان باقعة زمانه، ثم إن الحياة ليست كلها سياسةً بالطبع. والذي يبدو لي أن عموم المواطنين الأمريكيين لا يعبؤون بجميع هذه الانتخابات، وإنما يعتمد المواطن في أكثر هذه الانتخابات والتصويتات على ما يقرره الحزب الذي يتشيع له، أو الإعلام الذي يتابعه، أو المؤثر الذي يتأثره، أي إن صوته في شتى الأحوال صوت المقلد لا صوت المجتهد، وهكذا نفهم كيف يخدع الساسة عقول هذا الشعب وينخدع هو للخديعة، وهو والله غير ملوم مع هذا العبء وهذا النظام العويص. وهذا يذكّرني بقول لديدرو الفيلسوف مفاده أن كثرة وتنوع المسالك أمام الإنسان توهمه بحرية اختياره، وتوقع في نفسه أنه حر، بينما هو مسيرّ منساق، وخاضع للحيرة.
أشد ما راق لي في هذا البناء السياسي الهائل المعقّد، هو قصة نشأة الدولة نفسها، فإنها جديرة بالإعجاب والإكبار، ولا يجوز أن ننسى أن أمريكا قارة هائلة المساحة مكتظة السكّان، وأن تقديس الحرية فيها التقديس الذي ولد لنا نظاماً فيدرالياً وحكماً ذاتياً بدل دولة مركزية موحّدة=أن تقديس الحرية أتى بعد اجتماع تلك الجماعات الأوروبية المتخالفة والهاربة من جحيم الاضطهاد الديني. عندما خلُص المؤتمِرون من اجتماعات كتابة الدستور، واتفقوا أخيراً على مضمون واحد، لم يكونوا بالمُجمعين على الرضى عنه، ولكنهم رجوا الخير من وراء اجتماع الكلمة والتضحية بالآراء في سبيل الاتحاد، ولخّص هذا الموقف بنجامين فرانكلين بمقولته الرائعة: "إن في الدستور عدة أجزاء لا أوافق عليها في الوقت الحاضر، ولكني لست واثقاً من أنني لن أوافق عليها قط في المستقبل." وهكذا يا سادة، ولدت أمريكا!