تصاعد خلال السنوات الاخيرة الاهتمام بقضية موقف الاسلام من الدولة و من المسالة السياسية في عمومها، نتيجة نشاط الداعين الى الاحياء الاسلامي و تعاظم موجة ما يسميه البعض "الاسلام السياسي". و كان طبيعيا ان يصاحب هذا الاهتمام تساؤل متجدد بين المتخصصين في الدراسات السياسية و الدراسات الاسلامية على السواء حول العلاقة بين الاسلام و السياسية، و هي قضية تثار اليوم علي هذا المستوى ، و علي المستوى السياسي و الفكري العام على امتداد العالمين العربي و الاسلامي. و يقوم هذا الكتاب بتحديد موقف المعتزلة من هذه القضية الاساسية.
" هى دراسة شاملة وموضوعية ومميزة ؛ فشمولية تلك الدراسة ظهرت جيدا فى أسلوب سرد متقن للاحداث منذ نشأة فكرة " المعتزلة " فى خضم الصراعات السياسية فى صدر الاسلام ؛ دراسة متقنه بأسلوب تأريخى مميز عن أفكار المعتزلة وفى المصادر العقلية والسمعية للفكر السياسى عند المعتزلة ثم مرورا بالمشكلات السياسية التى ساهمت فى تشكيل الفكر السياسى عند المعتزلة وسردا لنظرة المعتزلة لمشكلة العلاقة بين الايمان والعمل واثرها السياسى ؛ ومرورا ايضا بموقف المعتزلة من شرعية الدولة الاموية وافتقادها لشرط العدل ووصفها لخلفاء الدولة الاموية بأنهم ملوك .. ثم النظرة ذو الابعاد السياسية فى أصل التوحيد وأصل العدل وأصل المنزلة بين المنزلتين واصل الوعد والوعيد واصل الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 0 وفصل كامل وشامل عن موقف المعتزلة من النظريات الشيعية حول الامامة ثم تطور العلاقة بينهما ثم تفكك العلاقات ونقد النظريات فيما بينهم وردود المعتزلة على حجة الشيعة بأن اختيار الله افضل من اختيار البشر وفيها اسقاطه بأن الامام اختيار ألهى ومعصوم من الخطأ ولا يجوز معارضته ؛ فلذلك واجهت المعتزلة النظريات الشيعية فى الامامة بنظريات منها " وجوب الامامة وضرورتها " ووحدة الامامة " والشروط الواجب توافرها فى الامام ؛ وواجبات الامام وحقوقه وعزل الامام .. ومن اروع ما قرأته عن افكارهم هو جانب المساواة ونظرتهم لمشكلة المساواة والمفاضلة كظاهرة انسانية ونقدهم لمعيار المفاضلة على اساس الوطن ونظروا بأن هذا الاختلاف بين الامم سبب رئيسى للتعارف واللقاء وليس للتخاصم والتنافر .. ونقدهم لمعيار المفاضلة على اساس اللون ومنها نافيا لخرافة الجنس والعنصرية بسبب اللون ؛ ورفضا لفكرة سمو الاجناس البيضاء .. ثم نقد المعتزلة لمعيار المفاضلة على اساس النسب ومنها يقول " الزمخشرى " : " لاتقنع بالشرف التالد وهو الشرف للوالد < واضمم الى التالد طريقا حتى تكون بهما شريفا ؛ ولا تدل بشرف ابيك ما لم تدل بشرف فيك ؛ ان مجد الاب ليس بمجد اذا كنت فى نفسك غير ذى مجد ؛ الفرق بين شرفى ابيك ونفسك ؛ كالفرق بين رزقى يومك وأمسك ؛ ورزق الامس لا يسد اليوك كبدا ولا يسدها ابدا . " وتلك رؤية تؤكد على قيمة المساواة ورفض ان يكون للانساب دور فى التصور الطبقى . ونقدهم ايضا لمعيار المفاضلة على اساس الطبقة والمهنة ؛ واساس المفاضلة بين البشر هى العلم والتقوى ؛ فلذلك الفكر الاعتزالى كان حريضا على ضرب كل افتخار بالمراكز المنسوبة من مال وانساب وضرب لرابطة الجنس والعصبية من خلال التأكيد على قيمة المساواة . ثم المدخل الثالث وهو الحديث عن الدعام الاخلاقية التى تقوم عليها الدولة الاسلامية فى نظر المعتزلة والتى اساسها " العدل ؛ والشورى " فتلك اعمدة رئيسية فى قيام اى دولة عادلة فلذلك كان معظم اهتمامهم يدور حول كشف مناطق الفساد داخل كيان الامة .. -- اما المبحث الاخير فى الدراسة كان عن اطوار الشعوبية ومجالاتها وصراع الفكر المعتزلى معهم وتلك الفكرة الشعوبية التى ظهرت فى بدايات العصر العباسى ويعتبروا من اهم ما عجل بسقوط الدولة الاموية بسبب معاملة بنى امية لهم وللفرس وللعجم عموما معاملة قاسية فاصبح لهم مكانة رفيعة فى المجتمع العباسى الجديد .. ؛ فدائما كان الشعوبيون يطعنون فى العرب وفى حقهم للملك وارجاع الفضل للاعاجم .. وفى النهاية اود ان اقول اننا امام دراسة متقنة فعلا عن فرقة من الفرق الاسلامية التى كانت وليدة الظروف السياسية التى ظهرت فى المجتمع الاسلامى حينذاك .. فلابد عندما ننظر الى المعتزلة فى تلك الفترة فلا يمكن النظر اليها بمعزل عن السياسة ؛ فلذلك كانت دائما افكار المعتزلة ليست بافكار طوباوية ولكن افكار ومحاولات للتطبيق على ارض الواقع ؛ والحقيقة التى يعلمها الجميع وينكرونها ايضا انهم اصحاب فكر مؤثر فى تاريخ الفكر الاسلامى ..