دراسة التاريخ أعطت كاتبنا ذاك البعد الذي سماه هو غبار الماضي (الذي لا يفارقه) ، ذاك البعد جعل عيني مؤلفنا تتثبت على المستقبل، وعندما يتناول قضايا العرب المعاصرة فانه يجسد من التاريخ أمثلة وهو إلى المستقبل طامح.
من مواليد مدينة “دمشق” عام 1921، أبوه كان بقالاً يرجو أن يرث ابنه دكانه الصغيرة، لكن الابن خذل الأب حين عشق القراءة والأدب منذ نعومة أظفاره. الدكتور “شاكر مصطفى” مؤرخ وأديب أصدر حوالي خمسين كتاباً من الأدب والتاريخ والدراسات التاريخية والقصصية، إضافة إلى مئات المقالات التي نشرها في الصحف والمجلات العربية، وفي مقدمتها مجلتا “علم الفكر” و”العربي”. والمعروف عن الدكتور “مصطفى” كيفية سرده لوقائعه بطريقة فنية جذابة، وبأسلوب سلس، يسكبها بقالب قصة مشوقة كان “مصطفى” أول كاهن بشّر بنثر فني لم يعرفه تراب بلاده منذ سنين، كما يقول الشاعر “نزار قباني” في مقدمة كتاب “بيني وبينك”. ومن اطلع على سيرة حياته يدرك كم تعب على تثقيف نفسه، وكم عانى من متاعب، وواجه من صعوبات حتى استطاع أن يصبح أديباً ومؤرخاً يشار إليه، لأن أبوه كان يضربه إذا فاجأه يقرأ كتاباً أو مجلة، لأنه يعتبر ذلك إضاعة للوقت، ولكنه بقي يقرأ في السر كل ما يقع تحت يديه في نهم الميت من الجوع. يقول د.“صباح قباني” «حين تسمع صوته الخافت الخجول في حديث إذاعي أو محاضرة مسائية، وحين تقرأ كتبه الصغيرة المنمنمة تظن أنك أمام مختص في الفلسفة أو الأدب، ولكنك تسأل فيبتسمون ويقولون: “شاكر”؟ إنه مدرس تاريخ مفكر عذب ورقيق يقدم لك أضخم المسائل الفكرية وأعصاها على الإفهام بلغة بسيطة حلوة رشيقة . إنه لا يكلمك، ولكنه يهمس في سمعك همسات صغيرة متواضعة سرعان ما تكتشف أن وراءها عقلاً جباراً وثقافة أدبية وتاريخية موسوعية متألقة. وتجدك حائرا متسائلا: “هل هذا الذي أسمع وأقرأ هو أديب أم مؤرخ”؟ بل إن “شاكر مصطفى” نفسه هو الذي يتساءل كذلك في بعض ما كتب: هل كان عملي طول حياتي في التاريخ أم في الأدب؟. ولكنه سرعان ما يجيب ويقول: “التاريخ هو مهنتي، والأدب هو هواية عمري” ومن هنا جاءت كتبه في التاريخ قطعاً أدبية لا أجمل ولا أعذب فإذا بالشخصيات التاريخية التي يحدثك عنها تتحول بقلمه البارع إلى شخوص روايات وملاحم يتحركون أمامك وكأنهم يتحركون على مسرح ==================== 1945 نال الإجازة في التاريخ من جامعة القاهرة عين مدرسا في درعا ثم دمشق ثم أصبح مديرا للمعارف في حوران 1955 أمين عام جامعة دمشق 1956 مستشار ثقافي في السفارة السورية بالقاهرة تنقل في عمله الدبلوماسي قائماً في الأعمال في “السودان” عام 1957، ووزيراً مفوضاً في “بوغوتا”- عاصمة “كولومبيا” 1958، وبين عام 1961-1963 كان قنصلاً في البرازيل، وخلال هذه الفترة أتقن اللغتين الأسبانية والبرتغالية، إضافة إلى الإنكليزية والفرنسية اللتين كان يتقنهما من قبل. وبعد هذه الجولة عاد إلى سورية عام 1964 فأصبح مديراً عاماً للشؤون السياسية في وزارة الخارجية، فأميناً عاماً بالوكالة، إلى أن اختير عام 1965 وزيراً للإعلام وبقي فيه حتى عام 1966 التاريخ الذي أعفي به من منصبه سافر فيه إلى الكويت ليعمل أستاذاً للتاريخ العربي والإسلامي في جامعتها، وظل في هذا العمل خمساً وعشرين سنة مرت كأنها “حلم ليلة صيف” على حد تعبيره. عام 1970 نال شهادة الدكتوراه من جامعة “جنيف” في سويسرا، بأطروحة موضوعها “مؤرخو العصر السلجوقي الأيوبي”، أصبح بعدها عميداً لكلية الآداب في جامعة “الكويت”، ثم انتدبته دولة “الكويت” ليشغل منصب الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية في “تونس” للجنة التخطيط الشامل للثقافة العربية، وبعد انتهاء مهمته أصبح مستشاراً في الديوان الأميري، بدولة الكويت. وحين أحيل إلى التقاعد عاد إلى “دمشق”، بعدما داهمته أمراض الشيخوخة، ولكنه لم يلق القلم جانباً، ولم يستسلم إلى الراحة، وظل عاكفاً على العمل حتى وافته المنية في 31/3/1997 وهو في السادسة والسبعين من عمره.
قرأت هذا الكتاب أول مرة عام ١٩٩٢، و إذا به الآن أكثر التصاقا بواقعنا، مما كان منذ ٢٧ سنة هذا ليس كتاب تاريخ بالمعنى التقليدي للكلمة. إنه كتاب يستكنه المستقبل بالنبش في الماضي، و يستحضر الأمس كمنصة للغوص في خيارات اليوم. ما تباكاه آنذاك، لا زال يبكينا، و أكثر اليوم منه وقتها، فنحن حقا كما رأى الكاتب: قوم سكونيون ما افتخر به آن ذاك، ما زال تحديا للعرب و الأعراب اليوم أن يبلغوه، بل إنه تحد أكبر منه الآن مما كان
كتاب شيق و ممتع رغم عمق الموضوعات، و ممتع رغم أنه مبك أحيانا عندما نقارن يومنا بالأمس، أو عندما نرى أننا منذ عقود ندري فداحة الخطر، و نعرف مصدر الخطر، و مسالك و أحاييل الخطر، و ما وراء الخطر، و لكننا كنا و نبقى لا نملك شيئا لرد الخطر، و هو مقبل داهم و نبقى كما كنا "في حالة حصار..لا تحدي. و مصيرنا هو موضع الرهان" كما كتب الدكتور شاكر مصطفى
كتاب تاريخ غير تقليدي، يتحدث فيه المؤلف بعمق عن صراع المماليك، و عن أساطير التأسيس لدولة إسرائيل، و عن رحيل عاصي الرحباني، كما عن أمننا الثقافي المخترق، و عن وقوع العرب ما بين العنصرية و الديمقراطية و التألق في بلاد الغربة البعيدة. عن ملكة الشام المنسية صفوة الملك زمرد خاتون و جامعها "مز القصب" (مسجد الأصحاب)، كما عن المراحل الثلاث التي اتبعها الغرب لتذويب كل الحضارات الأخرى و سحقها، و منها حضارتنا العربية الإسلامية
كتاب جدير بالقراءة مرات أسلوبه الأدبي من أروع و أبسط -و أجمل- ما قرأت، لا هو ضحية صنعة الإنشاء و لا سطحية الصحافة و اسم كاتبه محفور في ذاكرتي منذ القراءة الأولى بانطباع من أعجب فانبهر على هوامشه كتبت بقلم الرصاص منذ ٢٧ عاما أنه لو كان الشعور بالمرارة كافيا لتغيير شيء، سوى أعماق نفوسنا، لكان لكلمات هذا الرجل.. أثر الثورة