بالتأكيد بعد عامين على إصدار هذا الكتاب تغير ما تغير في الثورة السورية , والأفق السياسي الذي كان بالكاد يُرى أصبح الآن أبعد بل ربما حتى اختفى , والدماء التي تأسى على عددها صفحات الكتاب أصبحت الآن أكبر من أن تُعد , وما يزداد يُعتادُ عليه , وما يُعتاد عليه يُنسى, دستويفسكي في روايته عن أيامه في السجن ذكر ان الانسان ما هو إلا حيوان يتعود كل شيء , نعم كل شيء حتى القتل وحتى الدماء , وكتب ودراسات كهذه أقل ما تفعل هي أن تُذكرنا بفجاعة الدماء , وبأن ما ضاع من حق بين الدماء الكثيرة كان له أصحاب , ما زالوا هنالك وما زالوا يقدمون دماؤهم له , وعلينا واجبٌ , أهمّه أن لا ننسى , لا ننساهم ولا حقهم.
الكتاب يقدم كما في عنوانه دراسة في التاريخ الراهن لأول عامين من الثورة السورية , وهو لا يعتمد منهج السرد التاريخي فقط وإن كان في جزءه الأول كذلك , بل هو نص عابر للتخصصات , سواء التاريخية , الاجتماعية , السياسية , العلاقات الدولية ... الخ , وهو ما يُميزه في دراسة ظاهرة مُركبة كظاهرة الثورة السورية.
الكتاب في جُزءِه الأكبر يحاول إبراز ثلاث نقاط أساسية لفهم الثورة السورية بما هي وليست بما أصبحت تُرى عليه الآن , وهي :
أولا, أنها ثورة شعبية وطنية سلمية قامت على المطالبة بالحقوق المشروعة التي حُرِم منها الشعب سوري طوال حكم البعث , وأنها كانت مُلهمة بتجربة تونس ومصر , وأن اسباب انطلاقتها كانت من داخل المجتمع بعيدا عن أي ادعاء لأي مؤامرة كانت , وكان ذلك من خلال الحديث عن حصاد العشر سنوات الأخيرة تحت حكم بشار الأسد , ومقاربة اقتصادية اجتماعية لأوضاع الشعب السوري وكيفية انحدار هذه الأضواع بسبب سياسات الانفتاح الاقتصادي واللبرلة التي أخسرت النظام الكثير من شرعيته لدى الفئات المتوسطة والفقيرة , وأيضا بسبب التنكّر لوعود الإصلاح التي أُطلقت في بداية حكمه وصار على أثرها حراك سياسي سوري ومنتديات ثقافية وفكرية تناقش بجدية قضايا الحرية والتعددية السياسية والدستور وما إلى ذلك , وهو ما دلّل على وجود أثار لمعارضة سياسية وفكرية بين الفئات المثقفة والواعية في المجتمع يمكن التعويل عليها , وليس كما كان بشار في خطاباته المتعالية على شعبه بخصوص خصوصية الشعب السوري وحاجته لأن يطور نفسه حتى يتنازل الأب الرئيس باعطائهم الحريات التي يبستحقونها إن فعلوا.
ثانيا, أن عسكرة الثورة لم تكن خيار الثوار بل كانت خيار النظام الذي لم يتواني في مواجهة شعبه وقتله وإعلان الحرب عليه , ما جعل مسوغ التسليح للثورة بداية الدفاع , قبل أن تؤمن فئة كبيرة من الثوار بأن لا مجال لإسقاط النظام ولديمومة الثورة في ما يتعرضون له من قتل وحرب إلا عسكريا , وحينها يخلص د.عزمي بشارة إلا أن خيار العسكرة كان عفويا , بل إن مشكلته تكمن في هذه العفوية ولم يكن منظما او مدعوما بشكل مؤامراتي من الخارج , وعدم التنظيم هذا كان وبالا على الثورة فالمدن البلدات التي كان يدخلها الثوار كان ينزح أهلها وتُدمر لعدم تمكنهم من تحييد القصف الجوي والطائرات , بالإضافة إلى أن هذه العفوية وعدم التنظيم أتاحت لسرقات ومكاسب شخصية تتم باسم الثوار من قِبل أصحاب جرائم سابقين رأوا في خيار التسليح منفذا لهم , وهنا يؤكد بشارة على أن أحد النقاط المُضرة بالثورة هي تجاهل الأخطاء التي تتم باسم الثوار وأدلجتها مباشرة بشكل تسطيحي بأن تُلقى على النظام , وأن على الثورة التحلي بالموضوعية قدر الامكان في ما يخص التجاوزات وتقديم انكارها لما جيب انكاره ومحاسبة ما يجب محاسبته وتصويبه.
ثالثا, نقض أطروحة ريفية الثورة , وطائفيتها , فأحد الحُجج التي تُقام على الثورة انها ثورة الريف , يقدم هنا د. عزمي دليلاً على عكس هذه الاطروحة , بحيث أن معظم الاحتجاجات والاعتصامات والمظاهرات انطلقت من المراكز المدينية للأرياف , وهي المناطق التي يكثر فيها المثقفين والجامعيين من الطبقة المتوسطة , وان ما جرى لاحقا من ترييف كان نتيجة أعمل النظام من اغلاق المنافذ في هذه المراكز المدينية , والقوة المفرطة وعسكرة الثورة التي وفقها اتخذت الارياف مركزا نظرا لبيئتها المناسبة لاحتضان العمل العسكري
أما طائفية الثورة , فيحاول بشارة بداية إيضاح بنية النظام السوري , ومحاولة النظام مماهاة الجيش والاقليات واصحاب المصالج ضمن النظام , وهو ما اختلف عن حالة مصر وتونس بعض الشيء , وبعدها يوضح أن الثورة ما كانت طائفية , طبعا ذلك لا ينفي حدوث حوادث طائفية من وقت لآخر , خاصة مع محاولة النظام التجييش بهذا الاتجاه , لكن خيارات النظام , ومن بعدها خيارات إيران وحزب الله , ودخول الحركات الجهادية ساحة المعركة حولت الثورة بهذا الاتجاه , وجعلت موضوع الاحتراب الطائفي السوري هو أهم تهديد فعلي للثورة في حالة دراسة مآلات سقوط النظام أو بقائه.
بعدها يقوم الكتاب بتحليل سياسات الساحة الدولية ودور اللاعبين الدوليين , وإبراز ان الثورة لم تتلقّ داعمين حقيقيين كما كان للنظام , فالنظام وباعتراف مسؤولين ايرانيين ما كان ليصمد لولا دعم إيران غير المشروط , ويدرس الكتاب استراتيجيات الدول الرئيسة في الثورة السورية واين هي الثورة السورية من اجنداتها الخارجية والداخلية , وهي ربما من الاجزاء التي لم تقدم لي من الجديد الكثير إلا توثيقات الاحداث وبناء التصورات عليها
الكتاب يعتبر مصدر غني وأساسي ومهم لدراسة الثورة السورية , خاصة مع القيمة التويقية العالية والرصينة , ومن توثيق للكتب والمقالات والتصريحات والمقابلات التي بُني عليها توثيق الكتاب للأحداث.