مقدمة:
قيمة الكتاب لدى القارئ مرهونة بقدر انشغاله بالإجابة على الأسئلة التي تشغله وتعنيه.
وفي اللحظة التي نقرر فيها الحديث عن كتاب، نحن في الحقيقة نتحدث عن علاقتنا به، فتقييم الكتاب مرتبط بهاجس القارئ ومحل اهتمامه، وهذا الكتاب أحد الكتب التي تنشغل بمساحات لا تعنيني غالبا.
“الرازي حالف ما يخلص الموسوعة إلا وهو حاط علومه كلها فيها :)”
هذا ما كان يتردد في رأسي طوال القراءة!
كنت أظنني قرأت لكتّاب موسوعيين، وتفاسير مطولة، ومؤلفات شاملة، لكن بعد قراءتي للرازي أعترف أن كل ما قرأته من التفاسير قبله مختصرات :).
أطال -عفا الله عنه- حتى كاد يكتب في كل العلوم باسم التفسير.
أستذكر الآن ملامح العالم الذي يسأله أحدهم عن تفسير الرازي، وأضحك على تجاوزي لتلك النظرات المستريبة وأنا في المجلد السابع، الآن أعي لمَ لم يكن حريصا على النصح به، لأن الطرق المختصرة أولى بالسلك من الطرق الطويلة الملتوية، ولأن الأحرى بوقته أن يحفظ من أن يتيه عند البحث عن مراد الله متفرقا في عشرات الأجزاء، مختلطا بمرادات غيره وعلوم خلقه، ولست أعني بالقصر قصر الصفحات أو قلة المجلدات، بل قصر الطريق في الوصول للمعنى، وليس كل تطويل مذموم، ولا كل إسهاب ممقوت، فكم من إسهاب مهد للمعاني قبل أن تقع في النفوس، وكم من تفسير أطال، لكنه لم يخرج عن فلك الآيات والسور، لكن تفسير الرازي ليس بتفسير، بل أشبه بحاشية على التفسير.
تمنيت لو اقتنيت الكتاب بتحقيق أفضل -إن وجد-، فتفسير الرازي حقه تحقيق حاذق، يتنبه لأصول مسائله، ويجلي خفي عباراته، ويشير إلى لوازم أقواله.
كما أن المحقق فاته كثير من الآثار التي تحتاج إثباتا وتصحيحا وعزوا.
لن أتحدث عن الرازي فلست أهلا لذلك، كما أن المؤهلين تحدثوا بما فيه الكفاية والغنى، لكن سأحاول نقل أبرز الخطرات التي صاحبتني أثناء القراءة لتفسيره:
-أحرى الناس بفهم الرازي وطبيعة كتاباته من يعاني في البحث والكتابة من عقدة الإسهاب وا��تحليل بقصد الإحاطة -أنا وأمثالي-، حتى يكاد يفلت من المرء مقصوده، ويضيع في بحر علم الله الكبير، ومن أوضح العيوب التي بلي بها توسعه الذي جعله يصل لمراحل بعيدة في محاولة تفكيك الآية وشرح مفرداتها والغوض مع معانيها، لكنني أشعر بالتعاطف معه، لأن الموسوعي الملم بكثير من العلوم والفنون، يرهقه استعمالها -على تفاوتها وتنوعها- عند الشرح والتحقيق، ولذا عد البعض البلاغة الإيجاز، فمنهم من اقترب، ومنهم من أبعد واستسلم أمام بحر معارفه، فاختار نقل أكبر قدر منها عوضا عن تمريرها على آلات ترشيح وتصفية، وأظن الرازي أحدهم.
-الرازي ممن لا يستطيعون الإجابة على سؤالك بنعم أو لا، بل لا يستطيع أن يجيب بجواب قصير، وكأنه مدين للسائل بالبحث والتنقيب لما وراء السؤال، وهذا ما أكسب تفسيره هذه الدسامة والطول، فعلى سبيل المثال: لم يستطع البدء بتفسير كتاب الله قبل أن يبين ماهية الكلمة، واللغة، والعبارة، لهذه المرحلة من الدقة والشدة يصل بك، ثم يدخل بعد ذلك في متاهات كلامية وجدليات لا نهاية لها خلف سؤال بسيط بريء مثل: ما الذي يعنيه قولنا "كلام الله"؟
هو يستخرج المسائل والمباحث الطويلة التي قد يجرها سؤال قابع خلف معنى مفردة، أو مرمى آية.
وسيمر بك الكثير من المسائل خلف آيات طالما رددتها، فخلف الاستعاذة -على سبيل المثال- نقب الرازي عن خمسين مسألة في علوم ومباحث مختلفة.
-يعيبه ذكره لجميع الآراء في المسألة الواحدة، حتى الغريب والضعيف واضح الضعف منها -مع بيان ضعفه-.
-لم أشعر مع الكتاب بروح التفسير، ولا بروحانية كلمات الله ووقع آياته، فمرة يأخذك الكتاب في علم الكلام والمنطق -بل مراات-، وتارة تلطمك أمواجه بعلوم النحو والبلاغة والبيان، وأخرى تذهب بك إلى دقيق مسائل الفقه وأقوال أهل العلم وآرائهم، وأنا هنا أتفهم قول القائل: "فيه كل شيء إلا التفسير"، فمعرفتك بحد علم التفسير تجعلك تشكك في دخول هذا الكتاب تحته، فأين ابتغاء معنى الآي ومقصود الرب من الكتاب وفي خضم معارفه وعلومه بكل ألوانها؟ إنك هنا تضيع .. تغرق، وقد تُسأل بعد عشرين صفحة عن معنى الآية التي ذكر تفسيرها فتقول: هاه هاه لا أدري.
فالرازي لم يكتف بتفسير الآي، بل انطلق منه لاستعراض معارفه وعلومه وطرح مسائله ومباحثاته.
-القراءة للرازي خاصة يجب أن تكون مسكونة بهاجس؛ ليستبين للقارئ قيمة ما يقرأ، وينتفع بمسائل الكتاب. وأسجل اعترافي بضياع كثير من الفوائد والمسائل -وإن حاولت تسجيل بعضها على طرة الكتاب-؛ لغياب الهم المعرفي والمسألة الشاغلة أثناء القراءة، كما أن تنوع مسائله وتفاوت مواضيعه مع محاولات خاسرة لتقييد ما يمكن تقييده دون ضابط أخرجتني خائبة حسيرة ضائعة في بحر علمه، كثيرة الاطلاع، قليلة الانتفاع.
-تجد في تفسيره ذكرا لأحاديث ضعيفة ومنكرة ولا أصل لها، بينما في المقابل تركا للتفسير بالصحيح والأولى، كعدم اعتداده بالتفسير النبوي في سورة الفاتحة بأن اليهود هم المغضوب عليهم والنصارى هم الضالين، ناهيك عن تجاهله لتفسير السلف -لاسيما القرون الأولى- والذي يعد ركنا ركينا في التفسير، بل إن الدارس لعلم التفسير يعي أهمية أقوالهم في الترجيح والفهم ومعرفة المراد، وأولويتها بلا منازع، وهذا مما يضعف آراءه في كثير من المسائل.
-يغلب على الكاتب النزعة الكلامية والفلسفية، وهو وإن أجاد الحديث في كل العلوم، إلا أن طريقته طريقة المناطقة في البيان والتبيين، وقد غلب عليه أسلوب أهل الكلام حتى في المسائل النحوية والفقهية والبلاغية، وفاضت نقاشاته فيها بالحجج والبراهين العقلية.
-إغراق المؤلف في استخراج المعاني أوقعه في التحليق خارج السرب، فأبعد عن المعنى المراد، وتكلف تكلفا واضحا متتابعا في تحميل الآيات ما لا تحتمل، فلطالما رددت "أبعد النجعة" أثناء القراءة.
-تميز بكثرة التفريعات والتقسيمات التي نجم عنها ولادة كثير من المسائل.
-يميل للتأويل كثيرا، ولتقديم بعيد المعاني على قريبها، ومتكلفها على سهلها وهينها، ومثال ذلك:
تفسيره "والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات"، قال: “ثم إذا آمن وعمل صالحا كمل فيكمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله: "والصادقين والصادقات".
فقد تكلف وأبعد -رحمه الله- في محاولة الربط بين المعنيين، فمن أين له بتقييد الصدق بالنصيحة من الآية؟ بل إن في قصْر الصدق على إحدى صوره في هذا الموضع تحديدا بعدا عن الصواب، لأن سمة تلك الآية عمومية الخطاب والصفات، ولا يقوي رأيه سياق ولا معنى عرفي أو معهود.
وهذا مثال أضربه لك لبعض تكلفاته ضعيفة المأخذ.
-نقله النصي عن الزمخشري في كثير من المواضع دون عزو، وهذه عادة لم يتفرد بها الرازي وقد وقعت عليها عند غيره من السلف.
ملخص التجربة:
القراءة قربتني لكل العلوم، وأطلعتني على كثير من مسائلها، لكن ظني في أن القراءة المطولة الدقيقة الفاحصة لكل كلمة وحرف من القرآن ستقربني منه، أظنها كانت خاطئة، فبرأيي أن تفسير الرازي يعد صيدا ثمينا للباحث عن مسائل العلم ودقائقه، ولطائف العلوم وطريفها، فإنك قلما تبحث عن مسألة إلا وتجده تناولها، لذا يعد كنزا للباحث، يغلب عليه أن يجد فيه سؤله، ويهنيه عند التوسع في مطلوبه، لكن الباحث عن تدبر يرقق قلبه، وقراءة تقربه من مرادات ربه، لا تنطلق من كتابه مبعدة عنه، وإنما تذوب في آياته مستحضرة معانيه، سيجدها في غيره مما هو أولى منه.
هل تفسير الرازي للقرآن بديع؟ عند التأمل، تجد الرازي أبدع في المسائل التي لا تتعلق بالتفسير -خاصة- من حيث حقيقته ومقصوده (بيان اللفظة ومراد الله في الآية)، مع إقرارنا بقيمة كثير من لطائفه وتحريراته، وبديع كثير من ملحوظاته وتأملاته، فهو كما ذكر الد. الشهري: “فيه كل شيء مع التفسير”.
القراءة للكبير في تفسيره الكبير كانت خطوة جريئة أقدمت عليها في خير الشهور (رمضان)، وانتهيت منها في خير الأيام (عرفة)، فاللهم تقبل مني، وعلمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وارحم عبدك الرازي بعمله، فأنت أهل للجود والكرم، واجمعنا معه بكرمك في مستقر رحمتك كما جمعتنا مع أحرفه في دار العمل.. اللهم وتجاوز عنا وعنه فيما أخطأنا وعمدنا، وعلمنا وجهلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم والمؤخر، لا إله إلا أنت.. وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.