"إن سجل التاريخ ما هو إلا الدليل والمَعْلَم الذي ينبئ المَلّاحِين الجدد الذين يمخرون عباب الحياة عن الصخور المهلكة التي قد تكون خافية تحت سطح بحر الوجود الإنساني الذي لا يُدْرَكُ غوره"
إن التاريخ - كما ينبه إلى ذلك القرآن الكريم - ليس مجرد قصص يُروى عن الأيام الغابرة.. وإنما هو تحذير من المهاوي الواقعه في طريقنا ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) وقد بلغت آيات القصص ما يقارب ١٥٠٠ آية وهو ما يوازي ربع آى القرآن الكريم ويوازي ثلاثة أضعاف آيات الأحكام والتي بلغت ٥٠٠ آية تقريباً .
تحدث الكاتب عن السنن المذكورة في القرآن الكريم وذكر أنها نوعان : ▪︎ سنن متعلقة بالكون المادى- سنن كونية - وهى التي تحكم الكون والتي عن طريقها يتمكن الإنسان من تسخيره والانتفاع منه. ▪︎سنن متعلقه بالإنسان - سنن الله في الأمم - و هى القوانين التي أجرى الله عليها نظام الخليقة.
ولقد أهتم القرآن ببيان السنن المتعلقة بالإنسان بصورة أكبر لأن نجاة هذا الإنسان وفوزه في الدنيا والآخرة متعلق بمعرفة هذه السنن ومراعاتها، في حين أن غاية ما يفقده عند إخفاء بعض السنن المتعلقة بالكون المادي هو أن تتخلف بعض مظاهر النعيم وأشياء الحياة التي يُسيّر فيها أمور دُنياه .
والنوع الثانى هو محل البحث فى هذا الكتاب فذكر الكاتب خصائص هذة السنن ومجالات عملها وعواقب مخالفتها وشرح العديد من هذة السنن باستفاضة وذكر العديد من الأمثلة عليها .
☆ فمن خصائص سنن الله في الأمم التى ذكرها:
١- الثبات والاطراد فالسنن ثابتة - تتكرر الحدوث بصورة مماثلة كلما وُجِدت الأسباب - لا تتغير ومطرده أى يتتابع حدوثها ويتكرر على نظام واحد كلما توافرت الشروط وانتفت الموانع .
٢- العموم والشمول فالسنن عامة وشاملة للأمم والأقوام والاجناس في كل زمان ومكان ..فلا استثناء لأمة ولا محاباة لجنس أو لون أو ديانة.. فالكل أمام القانون الإلهي سواء .
٣- انطباقها على الأمم والأقوام دون الأفراد فالسنن جاءت في سياق مخاطبه الجماعات والأمم لا الأفراد
٤- نتائج هذه السنن تتحقق في الدنيا قبل الآخرة أى أن الأمم تلقى جزاءها على أعمالها الجماعية خيراً كان هذا الجزاء أم شراً في هذه الحياه الدنيا ..أما الذي لابد أن يكون في الآخرة - وقد يقع في الدنيا وقد لا يقع- هو الجزاء الفردي على الأعمال من جهه كونها مسؤولية فردية
٥- السنن مرتبطه بالكسب البشري أى أن نوع الكسب البشري وكيفيته وكميته هي التي تحدد نوع السنة المستحقه وتتحكم في سرعة وقوعها وقوه تأثيرها ..فالله تعالى يضع الأمة أو القوم حيث يضعون هم أنفسهم ويمنحهم بقدر ما يتأهلون له من العز والذلة والغنى والفقر والأمن والخوف و ... ، فلا محباة ولا خصوصية .
☆أمثلة لبعض السنن المذكورة في القرآن الكريم و التى تناولها الكاتب بالتفصيل :
١- نصر الله المؤمنين الصادقين متى نصروا الله بِنُصره دينه والجهاد في سبيله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )
٣ - سنة المدافعة - الصراع بين الحق والباطل ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)
٤- قلة المؤمنين وأنصار الحق في مقابل كثرة المبطلين (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)
☆ العقوبات الإلهية التي يوقعها الله بمن عصاه وخالف أمره من الأمم تكون على نوعين : الأول : عقوبات ما دون الاستئصال والإهلاك الشامل كالأمراض والأسقام والهزائم والجوع والخوف الثاني : عقوبات بالاستئصال والإهلاك والتدمير كما حصل لقوم نوح وهود وصالح وقوم لوط وفرعون .
واختص الكاتب الجزء الأخير من كتابه للمقارنة بين حال الأمة الإسلامية عندما عملت بسنن الله - في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفائه من بعده أبو بكر وعمر رضى الله عنهما - وحالها بعدما طُعن عمر بن الخطاب وكُسِر الباب الذي دخلت منه الفتنة والتي أفضت إلى الإختلاف والانقسام والتدهور سارداً أهم المحطات والأسباب التي أوصلت الأمة الإسلامية لما هي عليه في وقتها المعاصر ..
ثم انتقل للحديث عن الحلول التي يجب اتخاذها سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي للعمل على إصلاح حال الأمة الإسلامية وكان على رأس هذه الحلول وأول خطوة فيها هي إعادة بناء الشخصية المسلمة عقدياً ودينياً وأخلاقياً وإلى ضرورة غرس العزة بالدين الإسلامي و بأن فى القرآن الكريم حلول لجميع مشاكلنا الراهنة ..
جذبني عنوان الكتاب، لذلك أضفته لقائمة القراءة. ومع الأحداث الحالية التي تصيب المرء بالأسى والحزن، قررت البدء بذلك الكتاب وكان يخطر في ذهني حينها قوله تعالى : "{ إِن يَمسَسكُم قَرحٌ فَقَد مَسَّ القَومَ قَرحٌ مِثلُهُ وَتِلكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَينَ النّاسِ وَلِيَعلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمينَ }"
ومازلت أردد مرارا حين تنبعث في نفسي نوازع يأس " وَتِلكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَينَ النّاسِ"
ولعل تلك الفكرة مواساة وعزاء لي، فهي توسع أفق النظر والتأمل، فلا نرى الحياة بنظرة ضيقة حزينة محبطة، بل نرى حكاية التاريخ الإنساني الطويل وسنن الله الحاكمة له منذ نشأة الإنسان.
مبحث الكتاب واستنباطه للسنن ملهم وقلما نجد له مثيل في وسط ثقافتنا، أحببت تجربة القراءة ومما زادني شغفا بموضوع الكتاب أنه بدا لي كرابط بين علمين منذ عدة أعوام وأنا أنبهر وأعجب من سعتهما ويزداد ظمأي للتوسع في القراءة بشأنهما وأعني بذلك علمي ( التفسير، التاريخ) ربما منذ عشرة أعوام لم أكن أنجذب للقراءة في التاريخ بالأخص وكنت أجده مملا جافا، وذلك لأن مناهجه تعلمنا أن نردد كالببغاء، إنجازات" فلان" المادية، وما شيده من عمران وبناء، ويجتمع في أغلب هؤلاء من خلدهم التاريخ المادي الجاف، أنهم بنوا وشيدوا ورحلوا، وبقيت آثارهم تماما مثل أفكارهم خاوية وشاهدة على زوال ملكهم، فأي فائدة يجنيها المرء من معرفة هؤلاء، ولما لا ندرس بشأن من اهتم بعمران الإنسان وتنمية جوانبه الروحية منها والمادية..
على جانب آخر يرافقني منذ عامين إدراك ملهم وجميل لأثر القرآن ووقع آياته على نفسي، ورؤيتي للحياة ولأمور عدة، لذا فقد فتح لي الكتاب مجالا جديدا للتأمل والفهم لآيات الله، كما زادني شغفا لقراءة التفاسير، بالرغم من ضعف الهمة والانشغال، إلا أنني أتمنى لو يظل ذلك الشغف حافزا لي دائما.
قال تعالى " إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا "
ومما ورد في تفسير الآية: (وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْفِيسًا عَلى المُؤْمِنِينَ مِن أثَرِ القَصَصِ المَهُولَةِ الَّتِي قُصَّتْ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ مِمّا يُثِيرُ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ الخَشْيَةَ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ، فَأخْبَرُوا بِأنَّ في القُرْآنِ ما يَعْصِمُهم عَنِ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ إذْ هو يَهْدِي لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِمّا سَلَكَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ مَعَ الهِدايَةِ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ، ونِذارَةَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.
فَفِيهِ إيماءٌ إلى ضَمانِ سَلامَةِ أُمَّةِ القُرْآنِ مِنَ الحَيْدَةِ عَنِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ جاءَ بِأُسْلُوبٍ مِنَ الإرْشادِ قَوِيمٍ ذِي أفْنانٍ لا يَحُولُ دُونَهُ ودُونَ الوُلُوجِ إلى العُقُولِ حائِلٌ، ولا يُغادِرُ مَسْلَكًا إلى ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الأخْلاقِ، والطَّبائِعِ إلّا سَلَكَهُ إلَيْها تَحْرِيضًا أوْ تَحْذِيرًا، بِحَيْثُ لا يَعْدَمُ المُتَدَبِّرُ في مَعانِيهِ اجْتِناءَ ثِمارِ أفْنانِهِ، وبِتِلْكَ الأسالِيبِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْها الكُتُبُ السّابِقَةُ كانَتِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَهْدِي إلى سُلُوكِها أقْوَمَ مِنَ الطَّرائِقِ الأُخْرى، وإنْ كانَتِ الغايَةُ المَقْصُودُ الوُصُولُ إلَيْها واحِدَةً. وهَذا وصْفٌ إجْمالِيٌّ لِمَعْنى هِدايَتِهِ إلى الَّتِي هي أقْوَمُ لَوْ أُرِيدَ تَفْصِيلُهُ لاقْتَضى أسْفارًا.)
وقد اقتبست هذا من كتاب التحرير والتنوير، الذي اقتبس منه الكاتب أيضا في عدة مواضع، بأي حال مازال المرء يشعر برهبة من التفكير بقراءة سفر ملهم مثل ذلك، ربما مازال لدي الكثير لأتعلمه، ولكن أدعو الله دائما أن يصلح قلبي، حتي يعي آيات الله، فتنبت آثارها الطيبة، ولا أصل لذلك إلا برحمة الله وتيسيره لي، وإلا فما عسى النفس بأهوائها أن تفعل سوى أنها تزيد القلب غفلة ونسيانا حتى يصير محلا غير صالح لفهم آيات الله، وذلك والله أشد بلاء يعانيه البشر اليوم، نسأل الله أن يرحمنا ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.