فتخمرت في مخيلتي فكرة أن يتزوجني، أن ينام معي في حجرة واحدة وعلى فراش واحد، كما يفعل أبي مع أمي، وأنا أعتني بشئونه، أغسل ملابسه، أكويها، أرتب كتبه، أطلسه، ومجلاته المصورة، أعد له الطعام، وعند المساء أجلس على خمرة الدخان استعدادًا للنوم معه. إذن … أن يتزوجني، أن يصبح مثل أبي لأمي، وأخذت أتخيله في صورة أبي وأخذت أغسل ملابسه، أكويها، وأخذت أرتب كتبه وفراشه وأحتفظ بكل مستلزماته، بدءًا من صابون الحمام، انتهاء بمصروفه المدرسي الشهري.
Abdelaziz Baraka Sakin / عبد العزيز بركة ساكن (Arabic listing) is one of the most prominent writers from Sudan today. He was born in Kassala, eastern Sudan, in 1963 and lived in Khashm el-Girba until he was forced into exile abroad by the Islamist regime in Khartoum. Although most of his works are banned in his home country his books are secretly traded and circulated online among Sudanese readers of all generations.
ليست هذه أول رواية أقرأها للكاتب عبد العزيز بركة ساكن، وكلما قرأت له المزيد ،ازداد اقتناعي به ككاتب مالك للغة مسيطر علي دقائقها وأساليبها، كما يزداد اقتناعي به ككاتب مالك لتفاصيل الحياة السودانية ودقائق العلاقات الاجتماعية بين ناسها وأهلها، ويزداد اقتناعي به كفاحص جيد للنفس البشرية مدرك لخصائصها ، واع بأمراضها. هذا الكاتب ما أن تبدأ القراءة له حتي تنسى بالفعل أنك تقرأ، لأنك تنتقل انتقالا حقيقيا إلي الأماكن التي يتحدث عنها، أو التي تتحرك وتعيش فيها شخصياته. شيء عجيب جدا ما يحدث عندما تقرأ له، كأن الكلام نوع من الطعام خفيف الهضم عظيم القيمة الغذائية، كأن كلامه عسلا أو لبنا. تدور حكايات ساكن في البيئة السودانية حيث مشكلات كالجفاف تبرز دائما في حكاياته، ومشاهد كالمطر الغزير والمستنقعات التي تأتي بعده أيضا يكثر وجودها في رواياته. كذلك الناس الذين يتحدث عنهم، إنهم أهلنا في السودان وليسوا شخوص روايات نقرأها لأن شخصا ألفها. إنهم حقيقيون. تدور الرواية حول فنان روسي يعيش في السودان يجمع حوله مجموعة من الشباب السوداني يعلمهم الفن في الجامعة، وبينهم علاقات إنسانية تحللها الرواية. يغادر الفنان السودان تاركا تلاميذه كي يعيشوا قصتهم في صراعهم مع بيئتهم وسلطتهم. رواية رغم خلوها تقريبا من العقد التقليدية في الروايات إلا انها ممتعة.
بركة ساكن... فقط هذا الإسم وتلك العوالم الكاملة الكامنة بين غلافين وبعض الصفحات لكي تقرأ "بركة ساكن" عليك أن تتعلم الغوص في عمق ليس بالقريب ابدا.، ان تقرأ بين السطور، وتفهم الرمزية جيدا.. لا أعلم ولكن "بركة ساكن" يستفذ الوطن في داخلي، وذلك الانتماء...
رواية" الطواحين " اذا قرأت رواية" العاشق البدوي " ستتفاجأ بنفس الشخصيات وذات الأمكنة، نعم فالطواحين جزء من روايتين اخريتين" ثلاثية البلاد الكبيرة " و رواية" العاشق البدوي " التي ذكرتها آنفا.. التي ركزت على قصة "سارة حسن" ونضالاتها في البلاد الكبيرة وبالتأكيد ضد الاستبداد المنداح الي الان بلون جديد...
اما عن هذا الكتاب "الطواحين" يعكس فلسفة ميتافيزيقية نوعا ما وشيئا من تصوف او براسايكولوجيا في سبيل البحث عن الذات، الله، والنقاء بأسلوب حياة المختار، المحراب، اليوجا وكل فلسفاته، واظن ان "مايازوكوف" _استاذ الفنون بالجامعة الكبيرة _هو ذات المختار في عالم موازي واحتمال آخر لحياة أخرى " ربما"
ما ألمسه دوما في عبد العزيز بركة ساكن هو الدفق والصدق، يمتلك صندوق العجائب، في روايته الحكايات بداخلها حكايات بداخلها حكايات وهكذا .. ومع ذلك لا يفقد السياق أبدا، فهو قادر على أن يسترد قارئه وقتما شاء، كل هذا إلى جانب المزج الذي يفعله دائما بين الأسطورة الذي يجعلها حقيقة، والحقيقة الذي يجعلها أسطورة.. ملاحظة صغيرة: هذه الرواية الأولى التي تقع تحت يدي لساكن ولا تتحدث عن المهمشين وأن كان تناولهم في حكاية صغيرة داخل الرواية، أسلوب السرد هنا مختلف عما وقع تحت يدي سابقا.
يا حسرة .. أستمتعت جدا بأسلوب السرد .. الذي بلا شك .. متفرد به الأستاذ عبد العزيز بركة ..
وها أنا أرى لما هو محظور في البلاد الكبيرة .. لصدقه الجلي .. في ذكر ما كان ويكون في حال البلاد الكبيرة ..
لامست أحاسيسه قلبي .. وها أنا في ذاتي .. أعتقد أنه المختار و القديسة سهير وسارة و نوار وآدم و حافظ ومايا و أمين وسابا وكل هؤلاء .. شخصيات حقيقة . . كم أود أن أجالسهم ..
يالها من كلمات لا يستطيع الإتيان بمثلها إلا كبار الكتاب حيث يقول : كانت نوار سعد تفضل الرجل النحيف المثقف، ويا حبذا لو كان برأسه قليل من الشيب، لا تستطيع أن تقاوم إغراء رجل عقب في ندوة بشكل جيد ينم عن ثقافة ووعي بالأشياء ونضج، وتكره نوار سعد رجلين: جاهل، وعلى حد تعبيرها: «لا يعرف كوعه من بوعه.» والرجل الآخر: العسكري، ولأنها تعتبره شخصا لا تكتمل فحولته إذا لم تكن بقربه آلة تحسم الحوار لصالحه بإسكات الآخر للأبد.
تميز بركة ساكن عن البقية - خاصة في طريقة السرد- واضح كالشمس في هذة الرواية. الجزء قبل الأخير الذي يستخدم فيه الرسائل كوسيلة روائية اقل ما يقال عنه أنه مبدع . يذكرني باسلوب السينمائي الكبير terrence malick في سرد مشهد كبير و اساسي في مقطع صغير و هامشي و ترك القارئ يشعر بنوع من النقص و الحزن ، خصوصا عند فراق شخصيات اساسية