بين حيفا والناصرة وقفنا على الشارع الرئيسي، ستة جنود من اللواء كارميلي (الهاغاناة) كنت أنا قائدهم، الهدف هو: منع وصول أية مساعدة من مناطق أخرى لإسناد العرب الذين يشنّون على قواتنا الهجمات، واعتقال من يحاول الهرب إلى حيفا أو إلى الناصرة، كان اسم خطة الاستيلاء على حيفا التي سمعتُ بها من ضابط كبير في الهاغاناة مسباريم (المقص)، بضعة أيام ونستولي على حيفا، آه لو كان أبي على قيد الحياة، لكان سعيداً بانتصاراتنا، وعودتنا إلى البلاد. رأينا جسماً معدنياً يلمع من بعيد، تجهزنا لاشتباك مفترض، صاح أحد الجنود: هذه سيارة فاخرة من موديل عام 47، ضحك الجنود أوه، هذا عربي ثري، ووسيم أيضاً صاح جندي آخر. أشرنا للعربي الثري بالوقوف والنزول، قامته طويلة ويلبس بذلة رمادية، دهشنا من جمال السيارة، وجمال الشاب. بعد استجواب قصير، عرفنا أن هذا الشاب العربي من جنين، وأنه كان في حيفا يزور صديقه المريض، عصبنا عينيه، طلبنا منه الركوع خلف السيارة، كان هادئاً جداً. اختلفنا على طريقة التعامل معه، وماذا سنفعل بالسيارة الفاخرة، بعضنا اقترح قتل العربي وحرق سيارته. بصفتي ضابط القوة فكرتُ طويلاً في الموضوع، وتوصلتُ إلى حل ثالث، لن أقوله في شهادتي هذه، فالأرشيف الإسرائيلي يمنع نشر معلومات كهذه قبل مرور مئة سنة عليها، بعد ستة وعشرين عاماً من الآن سأكشف لكم ماذا فعلنا بالشاب العربي الوسيم، وما مصير سيارته الأمريكية الفاخرة.
ولدت في زهرة المدائن بوابة السماء ومنارة المدى القدس عام 1964م، ومن حيث انني قد تورطت في الحياة استمريت نحو الغوص عميقا في بحر المدن والشوارع والحارات والصفيح المقاوم لاشعة الشمس وغبار الامنيات ، درست حتى الثانوية في وطني الجميل ولانني لا احب الحدود فواصل الرحم ركضت جريا الى الاردن الهادئة ومن حليب جامعة اليرموك استقيت اللغة العربية اللذيذة حتى ارتويت وتخرجت منها في عام 1989م وبعدها سارت بي الخطى نحو بوابات المدارس حتى استقر امري في احد مدارس رام الله ومن هنا بدأت ....
كتبت القصة حتى كتبتني على الواح العمر بجهاته الاربعة وطبعت منها:
نوما هادئا يا رام في عام 1990
موعد بذئء مع العاصفة في عام 1994
الشرفات ترحل ايضا في عام 1998
وتحت الطبع( شتاء في قميص رجل)
ومازلت اسير على ادلاج الريح لحظة بلحظة ، انتظر مقهى الحياة لكي انهي شرب قهوتي السمراء تحت اضواء المدن التي تضحك من شدة الالم.
هذه القصص، إن صحت تسميتها بالقصص، هي شهاداتٌ حقيقية مهما بلغ الخيال من حروفها. إنها إثباتٌ ملموس لذكريات الشعب الفلسطيني، ذكرياته المبتورة، المسروقة، والمفقودة. كل قصّة منها تكشف جذراً عميقاً في الأرض السليبة، وتضيء عتمةً حسب الطغاة أنها سرمداً أبدياً.
مجموعة قصصية ماتعة ولطيفة، أظنها كتبت معتمدة على التفاعل بين الكاتب وشخصياته في أكثر من موضع، الأمر الذي أجده طريفاً وذكياً في آن، وعلى رواية الشخصيات الفلسطينية العديدة التي روى عنها الكاتب قصتها.
أحببتُ جوانب التلميح في القصص، البساطة في السرد والسهولة التي يكتب بها زياد، ورغم اقترابه مراراً من سطحية الطرح، إلا أنه كان يعود إلى المعنى المُلتف، أو المتواري خلف الجدران، والذي يشير إلى وجوده دون إظهاره.
أما الرسومات المعبرة عن القصص، فكانت جميلة للغاية، وفي الكتاب صفحات فارغة تتخلل القصص والرسومات، تُغري القارئ بالرسم عليها.
يكتب زياد بالأسلوب الساحر الذي نحبه، فهو يعرف الطرق والحارات والأزقة، بأسمائها وأبطالها الأساطير، كاتب ملهم يحوّل الرمل إلى دهشة، ويجعل من الحب قصة فداء، دامية ومحزنة. وليس الغريب في زياد أن يكتب عن الوطن كأنه يروي قصة لحبيبته يحكي لها عن مشاغباته ومناوشاته مع دوريات الشرطة، كأنه يرسم مسار حياته من فتى طائش إلى فدائي عنيد، زياد يقول أنا كاتب رومانسي، حالم ولا أخاف الأيادي السوداء ولا جماعات الهغانا.. زياد حالم يحب الرقص والغناء والموسيقى وكتابة القصص وسماعها من أصدقائه، زياد مبتكر خاص لمشاعره يحب الحياة ويكره الإحتلال.
كتاب اقل ما يقال عنه يحرك المشاعر وينثرها اينما شاء كتاب يأخذنا في رحله داخل المأساه الفلسطينيه عن طريق قصص فلسطينيه حزينه وسعيده و مضحكه و معبره تحرك فينا كل المشاعر من ما نحبذ الى ما نكره منها، انصح الكل فعلا بقراءته كتاب في كل صفحه منه كنت اهوى لأرى وأقرأ المزيد من حروفه وكل قصه استطيع ان اقرأها منه؛
"لا خير فينا ان صمتنا، لا مستقبل لنا ان اجبنا"
أكثر قصه احسستها قريبه من قلبي هي قصه حائك من حيفا وقصه صفحه في كتاب رياضيات ،ننتضر المزيد من العطاء لثقافتنا الفلسطينيه و العربيه من الاستاذ خداش
يصور أستاذ خداش قصصاُ ترسم التاريخ و الذاكرة بقلمه و مخيلته بأسلوبٍ فريد. يجمع بين حبّه للفن والموسيقى و يضعها كلها في إطارٍ فلسطينيّ الهوية أكثر من أي شيءِ آخر، تحمل قصصه أكثر من مجرد ذاكرة لفلسطينيٍ جريح، بل لفلسطيني يرى أكثر من مجرد الواقع المؤسف اذي يحيط به، و من فلسطينيٍ قرر أن يدمج خياله بالتاريخ والألم.
المكان والزّمان لكل من قصصه هو أكثر ما أثار اهتمامي وتواجد شخصيات بأماكن لم نعتد أن نجدها فيها تشير لمخيلة أدبية قوية، أشعر أن خداش قرر أنه لا يجب أن تقتصر الرواية الفلسطينية على قصّ ما حصل بجمود وأن لا ضيرمن إضافة ما بمخيلة الكاتب من أسئلة وشخصيات و رموز فنية ربما.
لغة الكاتب ليست مما أفضل وبرأيي تحتاج للمزيد من التطوير و لكنها فريدة إلى حدٍ ما. قصتي المفضلة و التي علقت في ذهني هي قصة الآلة الكاتبة التي تصرخ في الخزانة المقفلة وتروي صرخات أصحابها، خيال يضفي وبلا شك الكثير للأدب الفلسطيني و طبيعة الرواية الفلسطينية.