كلما قرأت عبده وازن ، أشعر أنه صديق قديم لي . و أني أتقصى أخباره في نصوصه ، و أجد فيها الكثير مما يشبهني و يخبرني عن أخباري أنا أيضاً . عبده وازن إنسان صادق فيما يكتب ، و شاعريته عالية و هادئة في اللحظة ذاتها . مثل نسمة ريح باردة تمرّ عليك ببطء لكنها في ذات الوقت تحيل جسدك إلى قشعريرة . هنا تحدث لوالده الغائب كثيراً ، و تحدث عن نفسه وماضيه كما لو كان يريد إكتشاف والده في ذلك الماضي . يكتب لوالده وهو يعلم أنه لن يقرأ ما يكتبه له ، و يقول أنه لا يوجد أجمل من أن يكتب ابن لأب لن يقرأ ما يكتبه .
يعود الشاعر اللبناني عبده وازن إلى سيرة والده في "غرفة أبي" الصادر عن منشورات "ضفاف" و"اختلاف"، ليستحضر ذلك الأب الغائب من جهة، ويرثي زمنه الماضي من جهة أخرى. منذ البداية يبدو وازن ناقما على الحاضر مشغولا بالحنين إلى ذلك الزمن "الجميل"، زمن كتابة الرسائل وإرسالها بالبريد، يتوقف عند "البوسطجي" وكيف كان التعامل معه في السينما والأدب، كما يرثي حتى لحال الكتابة بين الورقي والرقمي، يرثي لكل تفاصيل الزمن القديم الجميلة تلك، ويرى نفسه أصبح رغما عنه ابنا لذلك الزمن الجديد وعصر التكنولوجيا الذي يرفضه ولكنه يضطر إلى التعامل معه. بين كتابته رسالة طويلة إلى والده يسعى من خلالها إلى استحضار وجوده فعليا، وبين أفكاره الخاصة ككاتب يتذكر مع كل فصل وفقرة عددا من المواضيع الخاصة بتلك الكتابة، فيستحضر الكتب والروايات التي تحدث فيها الكتّاب عن آبائهم بدءا بدوستويفسكي وبول أوستر، حتى سهيل إدريس وإدوارد سعيد في مذكراتهم كما يشير إلى أبي العلاء المعري وأورهان باموق ، حتى يصل إلى أكثر علاقة معقدة بين الأب والابن في علاقة المسيح بأبيه، ويتأمل تلك العلاقات والأفكار كلها بأبعادها المختلفة، ويتحدث عن علاقته بالله، ويجعله ذلك يتذكر علاقته بكتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت" وكيف كان كتابا صادما له وهو في مقتبل عمره، وتتناسل الأفكار في ذهن الكاتب عبر قلمه فينتقل إلى الحديث عن آدم أبي البشر وعلاقته الأولى الشديدة الخصوصية بالإله الخالق، وهكذا يتنقل في متاهة الأفكار بحثا عن ذلك الأب الغائب.
يستحضر وازن أباه رغم غيابه، ورغم أنه لم يعش معه طويلا، بل يسعى لاستحضار أخباره ومعلوماته من خلال والدته وأصدقائه وحكاياتهم عنه، الصور التي تركها وذكريات كل صورة، ويذكرنا بين كل فصل وفكرة أن هذه الكتابة موجهة إلى أبيه في الأساس، ويشير أكثر من مرة إلى أنه يفعل ذلك رغم إدراكه التام أن هذه الكتابة لن تصل إليه، ولكنها عزاؤه الوحيد للتعبير عن غياب والده، حتى لتبدو كتابته تلك بابا يتنقل فيه بين الذكريات المتعلقة بطفولته وشبابه حينا وطريقة للتعبير عن أفكاره التي لم يكن له أن يتحدث عنها أو يتناولها إلا في علاقتها بأبيه، الذي لا يزال يشعر بافتقادٍ شديد له، ساعيا إلى استحضار صفاته عبر حكايات أمه وأقربائه، تلك الصفات التي كان أبرزها "الطيبة" التي يسعى الابن اليوم لمقاومتها، لا سيما أنه يشعر أنها ورطته في الكثير من المشكلات، بينما تفيض الكتابة بعد ذلك بعدد من الاعترافات والأسرار الحميمة حتى أنه يحكي لأبيه الغائب عن علاقاته الجنسية ووجهة نظره في الجنس والحب والعلاقة بينهما يحضر الحديث عن الموت بين ثنايا تلك الذكريات، ويتذكر الكاتب يوم وفاة والده وتلك الطقوس الخاصة التي كانت وقت جنازته، وكيف اختفى الكثير منها في أيامه الحالية، لا سيما بعد الحرب الأهلية اللبنانية وتكاثر عدد الموتى بشكل جعل الطقوس الخاصة بالموت رفاهية لا يمتلكها الكثيرون، يتحدث عن الحرب أيضا التي يعتبرها قدرا لا فرار منه، يؤثر عليه وعلى تداعيات ذكرياته.. ......
كانت إيمان مرسال تقريبا هي أول من لفت نظري للإرتباك اللي بيحصل لما يتخطى الإبن السن المبكر اللي مات فيه والده، أو والدته.. عبده وازن بدأ كتابه، اللي ممكن جدا نعتبره رسالة مطولة، بنفس اانظرة والإرتباك. مع إضافة مفهوم إن أجمل الرسائل هي الرسائل التي لا تقرأ ممن كتبت من أجلهم من الأصل.. الكتاب صادق، ونزيه، وصادم في بعض المواضع.. كتاب تحسه، ودا اللي بيزود عندي شعور إنه رسالة مطولة فعلا، إنه إتكتب في قاعدة واحدة، كأنه حرفيا جواب غرامي كتب تحت لحظات قاسية من الشوق، والحنين، والألم.. بس الرسالة المطولة تجاوزت حيز إنها مجرد رسالة، تهتم بشؤون شخصية، تجاوزت دا وبقت بمثابة تأريخ لحقبة كاملة، لمدينة، وحي كامل، وزي ما بقول احيانا لنفسي الرسايل بتنفع لتمرير أي شيء أي شيء، تمتد الرسالة هنا لتتكلم عن كل شيء، الطفولة، الحب، الفقد، المراهقة، السياسة، الحرب، الجنون، الوطن، الغربة، التيه.. بلغة شاعر حقيقة.. ودايما مافيش سرد أجمل من سرد الشاعر لما يقدر يسرد، ويطول في ااكلام.. في بدايات نهاية الكتاب بدأت أشعر إن عبده مش بس تجاوز السن المبكر اللي مات فيه والده، فأصبح أكبر من والده، ولكن هيتضح إن حياة عبده وازن، ولو فقط من حدود الرؤية المتاحة لينا، كانت أكثر زخما من حياة أبيه، فتشعر في نهاية الكتاب إنها رسالة من أب لإبنه، مش العكس..
يشعر الفتى بالأمان إلا في غرفة أبيه ، نوفاليس , الإبن سر أبيه . نيتشه لقد وجد اوراقه التي كتب عليها قصائده القصيرة والتي كانت بلا عنوان والتي احتفظ بها لماض لم يكن كله سعيدا ولقد كتبها بعد رحيل ابيه بالفصحى الركيكة وبعضها بالعامية . في غرفة ابيه ذكرياتهم وصورهم والأوراق الرسمية، جميع صور الوالد كانت بالأسود والأبيض ، في الزمن المكشوف الذي لايخادع ولايحابي احدا .هذه الصور التي تفتح نافذة المخيلة لتضع ألوانا للملابس وللمناظر الموجودة في الصور كما تحب. رسائل كافكا الى والده حفزته على الكتابة لأبيه الميت .لقد عانى كافكا من ابيه الكثير وعندما بلغ 19 من عمره قرر مقاضاة والده . لقد قرر كافكا ان يحسم امور كثيرة مع والده الميت فكتب رسائل ادانة لوالده . كان كافكا يؤمن ان الأب كالقدر الذي يستحيل تخطيه .
بعض الكتب بعد أن تقلب آخر صفحاتها يختلجك شعور كأنك ستفقد صديقا عزيزا و هذه الرواية أو السيرة أو الملحمة الفلسفية الفكرية كانت رفيق وحدتي لأيام و السلوى لغضبي النابع من عبثية الحياة و جرم الحب و تداعيات القضايا السياسية العربية .
سيرة ذاتية مختلفة أكثر ما جذبني إليها هي تلك اللغة الرشيقة والنص السردي الجميل ولكن... بالرغم من أن الكاتب أرادها أن تتقاطع مع سيرة الأب وسيرة الوطن إلا أنها جاءت مكررة مبهمة في بعض الأحيان وكانت أقرب ما تكون الى اعترافات تعرفنا من خلالها على الابن لا الأب
ربما...كان هذا هو المقصود هدم الجدار الزمني الفاصل بين زمني الأب والابن ليتوحدا أمام القارئ فنقرأ الأب في الابن والابن في الأب كالمثل القائل...الابن سر ابيه لذا يقول الكاتب: "أبحث عنك كما لو أبحث عن نفسي ايها الأب هل أكتب سيرة لك أم لي؟ ...إنها أناي التي أجهلها الأنا التي أتفيأ ظلها التي احفر ترابها كي أصل الى جذور لها أجهل في أي أرض تمتد"
ومقتطفات....
"الكلام الحقيقي هو الذي لا يقال وأجمل كلمات يمكن أن تُكتب الى امرأة تختصرها نظرات تقول كل شيء"
"إننا نحتاج الى الأوهام يا أبي حتى وإن علمنا في الختام أنها أوهام"
"المهزومون وحدهم يصنعون التاريخ وحتى إن كُتبت أسماؤهم على هامشه وفي أسفل صفحاته هم المضطهدون والمنفيون والمطرودون والخائفون والضعفاء من هؤلاء يبدأ التاريخ التاريخ الأشد نصاعة"
"هذا كل ما بقي منك أيها الأب، صور تقول إنك كنت، صور تقول أيضا إنك رحلت وكأنك لم تكن" بصور أبيه ختم الكاتب روايته وبالصور نفسها كانت البداية. صور فجرت لدى الكاتب ينابيع الماضي.. ذكريات الحرب.. الحي الذي سكنه.. بيروت.. ساحة البرج.. الترامواي.. ماضٍ استُعيد إلى ذاكرته ليرى نفسه في ماضي أبيه.. أباه الذي لم يبقى منه سوى صورا وغرفة وذكريات.. رواية ممتعة.. أسلوب سرد شيق.. تصوير إبداعي لأحداث الماضي.. لكنها لا تخلو من التكرار الغير مجدي..
سيرة ذاتية تخللها رسائل وحديثاً داخلياً، يُعبر عن هُوّة الفقد التي تزداد عمقاً مع العمر، يقول: "لم يُغادرني يوماً حال من القلق لم أعرف له سبباً، قلق والأصح لا طمأنينة. كانت تنقصني الطمأنينة دوماً، الطمأنينة أو الأمان"، "في الداخل فراغ لا يمكن ملؤه، في الداخل نقصان يظل ناقصاً". بحث عن الأبوة في الحياة وفي الكتب، في الآخر الذي كتب وذاك الذي روى، وجدها حباً وعاطفة ووجدها أيضا على النقيض كرهاً وانتقاماً.
كتاب ممتع وشيق إلى درجة كبيرة.يتخذ المؤلف فيه من خطابه الذي يتوجه فيه إلى أبيه ذريعة أو وسيلة أو أداة ليروي سيرته هو ويسترجع سنوات مضت ويستعيد زمناً مضى ويستنقذه من وهدة النسيان. كتاب مليء بالأفكار المعمقة والرؤى التأملية التي تظهر فيها ثقافة الكاتب الغزيرة ودربته في كتابة نص جذاب وجميل يستحق القراءة حتماً.