على عكس أو حتى ضد نزعة معاصرة لدى كثير من الشعراء ممن يقولون، زعماً أو اقتناعاً وممارسة، بأن القارئ لا يعنيهم ولا يؤثر في العملية الإبداعية لديهم، فإن تيد كوزر لا يخجل من المجاهرة بأنه يكتب دائماً وفي باله القارئ، وهذا لا ينعكس فحسب على مزاجه الشعري، والموضوعات التي يحفل بها شعره، بل أيضاً على لغة هذا الشعر وتركيبه. وهذا يجعل من كوزر، كما يصفه الناقد والشاعر دانا غيوياً في كتابه "هل يمكن أن يعنينا الشعر؟" (1992)، "شاعراً شعبياً"، لا بالمعنى الجماهيري "إذ ليس من شاعر جماهيري في أمريكا اليوم، لكن بمعنى أنه يكتب للقارئ العادي، غير المثقف". هذا القارئ الذي يبدي كوزر تجاهه احتراماً من نوع خاص لإقباله على الشعر في زمن يصعب وصفه بالشعري. يقول: "أحاول أن أكرم صبر قارئي وكرمه من خلال قولي ما أريد قوله بأقصى وضوح وإيجاز ممكنين... في الوقت نفسه لا أحاول أن أهين عقله والاستخفاف به، لكنيي لا أرى أي فائدة من تضمين شعري أي تجربة ثقافية لم يختبرها هذا القارئ بالضرورة... وفي الوقت نفسه أنا شديد الحذر من المبالغة في التبسيط... هناك خيط رفيه بين ما يحتمله ويتسامح معه القارئ الغريب وما لا يحتمله".
منذ البداية إذن يدرك كوزر أن القارئ هو ذلك "الغريب" الذي قد يصادفه في أي مكان، ومن مختلف مشارب الحياة وتجاربها، والذي لا ينفع معه ما يسميه بـ"الإدعاء الثقافي": "أحب أن أثبت للبشر العاديين الذين لك يكملوا تعليمهم بأنهم يستطيعون فهم الشعر، وبأنه لا يجدر بهم الخوف من هذا الشعر". لكن هذا كله لا يعني، كما سيرى القارئ شعر كوزر، بأن مفتاح التواصل مع القارئ يكمن في العمومية واستدراج المشاعر أو ما يصفه بالمبالغة في التبسيط، فالقارئ هنا يظل قارئاً فرداً، يحترم عقله ومزاجه وتجربته كفرد، لا كجزء من حشد أو جمهور، وهذا يقيم فارقاً كبيراً بين الشاعر الشعبي كما نراه نحن العرب وكما هو في الممارسة -ذلك الشاعر الذي يستحضر عدة لغوية وتعبيرية وأسلوبية جاهزة تتسم بالخطابية والمنبرية، وتبرز في الأزمنة و"المناسبات" الخطابية والمنبرية- وبين الشاعر الشهبي على طريقة تيد كوزر، وهو شاعر لا يتحلى، بينما يضع القارئ في اعتباره، عن التطلب الشعري، المتمثل في البحث دائماً عن قصيدة أصلية ولغة متجددة، وإن اتسمت بالأسلوبية، فهذا لا يعفيها من أرق السؤال والبحث والتشكيك الذاتي. يقول كوزر "كل صباح أجلس على كنبتي، حاملاً بيد كوب القهوة وباليد الأخيرى دفتري، وأحاول كتابة قصيدة واحدة... بعد عشرة أيام قد يكون لدي قصيدة واحدة أكون مقتنعاً بها، وفي نهاية العام قد تكون النتيجة عشرة قصائد فقط، وهذا كثير بالنسبة إلي".
ما يجعل تجربة كوزر منفتحة على القارئ العادي بهذا الشكل، إضافة إلى لغتها البسيطة والواضحة، هو عوالمها التي تنتمي في المقام الأول إلى الحياة اليومية، فنجدها، على الرغم من ذاتيتها الشديدة، تحفل بأنماط البشر الذين يصادفهم المرء كل يوم، وأيضاً بشتى التجارب، البسيطة جداً مثل السير في الشارع أو الجلوس في مقهى، والمأساوية جداً مثل الشيخوخة والموت والهجران... معظم قصائد كوزر تنبع من تجارب شخصية، تبدأ من حياته وذكرياته وعائلته وجيرانه وبيته وشارعه، وتمتد إلى الخارج، حيث يصبح الآخر، في المدى الأوسع، جزءاً أيضاً من التجربة الشخصية، أحياناً بمجرد المشاهدة العابرة، والتأمل البسيط، وأحياناً من خلال الاحتكاك والتواصل العميقين. وفي كل الأحوال، فإن القصيدة ومهما كان بسيطاً أو مباشراً أو واضحاً أو يومياً ما تقوله أو تصفه فإنها دائماً ترتفع، وبصورة مفاجئة إلى مستوى آخر، ناقلة العادي والبديهي، من مجرد الوصف والانطباع، إلى النفاذ والتأثير، إلى رحلة الكائن البشري الأوسع، لغز عيشه وفنائه، وسلسلة الألغاز بينهما.
Ted Kooser lives in rural Nebraska with his wife, Kathleen, and three dogs. He is one of America's most noted poets, having served two terms as U. S. Poet Laureate and, during the second term, he won the Pulitzer Prize for Poetry for his collection, Delights & Shadows. He is a retired life insurance executive who now teaches part-time at the University of Nebraska in Lincoln. The school board in Lincoln, Nebraska, recently opened Ted Kooser Elementary School, which Ted says is his greatest honor, among many awards and distinctions. He has published twelve collections of poetry and three nonfiction books. Two of the latter are books on writing, The Poetry Home Repair Manual and Writing Brave and Free, and a memoir, Lights on a Ground of Darkness (all from University of Nebraska Press. Bag in the Wind from Candlewick is his first children's book, with which he is delighted. "It's wonderful," Ted said, "to be writing for young people. I am reinventing myself at age 70."
تيد كوزر يكتب عن الهرم والشيخوخة، بالخيط الرفيع بينهما. الهرم كشعور يمرّ بالإنسان. الشيخوخة كمرحلة عمرية. يكتب عن لحظات السكون، الأسقف القصيرة للأمريكي البسيط، وأخيرًا عن الإنسان وهو يتأمّل عجزه.
أحببت تجربته، بعض القصائد تستحقّ وقفة طويلة. وغيرها يضيعُ رسنه من يدك. لكنه في كل قصيدة يحاول أن ينفذ بكَ إلى أقصى زوايا العاديّ والباهت والمألوف. متأمّلًا الوحدة والإنسان بتساؤلاته حول نفسه التي لم تتغيّر من يوم النشأة.
هناك الكثير من الانكسار على هذه الاكتاف . بات الفجر يتأخر أكثر فأكثر . لا أرى الان الا وجهي تعكسه الظلمه شاحبًا وغريبًا . وانا الذي لم أكن اتمنى سوى الاستمرار في النظر إلى الخارج علي الان الاستمرار في النظر للداخل . مل ما يعرفه بات خلفه ولا شيء يعرفه أمامه . لم احلم بشيء يساعدني على القفز فوق السنوات إلى موتى اقفت يافعًا ما ازال حزيناً ما ازال بغير حفاوة في ذلك المنزل المعتم . نقطة البداية مثل نجمة الكثير منها فارغ الان . الحياة قاسية طوال الوقت . لكن ثمة خطأ ما في قلبها ثمة ظلمه في الداخل ظلمة تتسع لليل كله ليل يعاود التسلق كعنكبوت اسود والدخان في شعره . والأشياء التي حسبت ذات يوم انك تخلصت منها للأبد تأخذك مجددًا في احضانها . لكن الي اي مكان آمن يعود اي واحد منا في آخر الليل حين في جنوننا أحرقنا الأمل في كل عش وريشة .
اختيار قارئة سأختارها امراة فاتنة تمشي ببطء الى قصائدي في لحظات النهار الاشد وحدة. . . هناك ابتسامة ضاعت في ثنايا الوجه،
هذا وجع يفصح عن عمره يحتفظ بكل ملامحه الاولى وأن استعملت اكثر مما يلزم آه لكنني احب وجهي! . . هي النظارة التي ذات يوم ستنظر من خلالها عبر السنوات حين تكون قد كبرت وهزلت ولم تعد خاصاً والاشياء التي حسبت ذات يوم انك تخلصت منها الى الأبد تأخذك مجدداً في احضانها.
ها هي الفصول تقفل ملفاتها.. على كل واحد منا . . أحدهم نحبه.سقط من أفكارنا، محدثاً طرطشة صغيرة مثل دراجة هوائية دفعتها الريح. سوى ذلك لم يحدث الكثير؛ أحببنا ثانية حين عثرنا على تلك الريشة الحمراء الوحيدة في الريح. . . اذا وصلتك هذه القصيدة مجعدة ومتسخة كأنني فتحتها الف مرة لكي أتأكد من ان ماكتبته فيها كان جيداً، فهذا فقط لأنني أنتظرت طويلاً ان تجيئي وتضعيها في جيبك
منتصف الليل يقول ان هدايا الوحدة الصغيرة تأتي مغلفة بأصابع ترتجف.
فإن تيد كوزر لا يخجل من المجاهرة بأنه يكتب دائماً وفي باله القارئ، وهذا لا ينعكس فحسب على مزاجه الشعري، والموضوعات التي يحفل بها شعره، بل أيضاً على لغة هذا الشعر وتركيبه. وهذا يجعل من كوزر، كما يصفه الناقد والشاعر دانا غيوياً في كتابه "هل يمكن أن يعنينا الشعر؟" (1992)، "شاعراً شعبياً"، لا بالمعنى الجماهيري "إذ ليس من شاعر جماهيري في أمريكا اليوم،
هذا وجهٌ يفصح عن عمره يحتفظ بكل ملامحه الأولى وإن أستُعمِلت أكثر مما يلزم, آه, لكنّي أحب وجهي
شاعر العذوبة والبساطة اللامتناهية! يكتب بإحساس مرهف ويخاطب الطبقة العامة الغير مثقفة. يقول أن هناك خيط بين البساطة والابتذال وهذا بالضبط ما نحتاجه من شعرائنا اليوم, وصل الى قلبي من دون مقدمات. لم اتوقع اعطائه اربعة نجوم حين اقتنيت الكتاب, وخاصة أنني كنت خائفة من ترجمة سامر أبو هواش لان الكتب الاربع الاخيرة لم تكن جيدة, لابد من إنصافه هذه المرة.
يقول تيد: "أنا شديد الحذر من المبالغة في التبسيط، هناك خيط رفيع بين ما يحتمله وما يتسامح معه القارئ الغريب وما لا يحتمله". وهو في هذا الديوان لم يُبالغ، وإنما أمسك بالحبل من منتصفه، ما بين تبسيطٍ وتعقيد.
استمتعت بكل الطبيعة التي حاكها بلغته الخاصة، استمتعت بكل الإسقاطات الجمادية والفضائية والمائية والهوائية والكثير الكثير غيرها، الدلالات التي تحملها الفقرة والدلالات التي تحملها جملة مفردة والدلالات التي تحملها كلمة بذاتها عوالم ينسجها تيد كما تنسج العنكبوت شباكها بكل دقة .. نألف أحيانا برودا يكتنف بعض جو المقطوعة الشعرية في بعض النهايات أو بعض الوسطيات أو البدايات وهنالك تداعيات في بعضها وأعوز ذلك لاختلاف الثقافة الأمريكية التي تتخذ منهجا خاصا .. فالإنسان الأمريكي هو في بادئ الأمر ريفي راع للبقر يهوى الطبيعة ويحب الكائنات الحية .. القهوة المرة، لفافة التبغ، الجريدة الصباحية والمسائية، قنينة الجعة الرخيصة، قنوات الراديو المحلية، مباراة رجبي أو بيسبول أو كرة السلة، سنابل القمح والذرة، القبعة والحذاء والحزام، وبندقية الصيد .. وأشياء لها معان ودلالات لدى الأمريكان وحياتهم التي تبدأ من وراء المحيط .. تيد كوزر ماهو إلا أحد الممثلين ينقلون عبر ذبذبات الأثير اللغوي إثرهم الخاص بأسلوبهم الخاص .. فعلا لقد استمتعت بهذا الكتاب حتى آخر حرف منه ..
« إذا وصلتك هذه القصيدة مجعّدة ومتسخة كأنني فتحتها ألف مرة لكي اتأكد من ان ما كتبته فيها كان جيدًا فهذا فقط لأنني انتظرت طويلاً أن تجيئي وتضعيها في جيبك منتصف الليل يقول إنّ هدايا الوحدة الصغيرة تأتي مغلفة بأصابع ترتجف ما أرادت ان تقوله هذه القصيدة أنني أريد ان أكون قريبًا جدًا منك حين تجدينها كأنها دفء ينبعث مني..»
جيد، مفعم بالتفاصيل المعتمة والتصالح مع "خريف العمر، وفوات الأوان" لا أنكر إن التفاصيل جميلة، حاولت قراءته والاستمتاع به لكني لم أقدر على اكماله هذا النوع من الشعر لا يمتعني.
هذا الأكاديمي المزارع يجيد اقتناص اللحظة الشعرية، الحالة البشرية، صور نهاية العمر، الهدوء الذي يكتنف الشيوخ والعجائز حالات التأمل، أحببت طريقته في التعبير الدقيق ووصف الحالة الإنسانية ببساطة وصدق خاصة قصائده التي كتبها عن شوقه لطفله الذي يسكن على بعد ٣٠٠٠ ميل، وسيشعر القارئ بج��ال الديوان وتفرده من القصيدة الأولى..
"اختيار قارئة"
سأختارها امرأة فاتنة تجيء ماشية ببطء إلى قصائدي في لحظات النهار الأشدّ وحدة. قبل أن تغادر البيت ستكون قد استحمّت وسيكون شعرها مبلّلًا عند العنق، وستأتي مرتدية معطفها الواقي من المطر، وسيكون المعطف قديمًا ومتّسخًا لأنّها لا تملك ما يكفي من المال لكي تضعه في المصبغة. هناك في المكتبة ستنزع نظارتها الطبيّة حين تجد أحد كتبي ثمّ ستعيده إلى مكانه على الرفّ، قائلة لنفسها: "بهذا المبلغ من المال أستطيع غسل معطفي". وهذا ما ستقوم به.