في هذا الكتاب يلقي المؤلف الضوء على الرؤية المسلمة للعالم من خلال أحد وجوهها الرئيسية، ألا وهو علاقة الذكر/الأنثى. وقد ضمن الكاتب محاولته تلك، مقارنة المفهوم الإسلامي الذي جسده يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً بما آل إليه هذا المفهوم على صعيد الحياة الواقعية، بحيث يبدو جلياً أن العادات الاجتماعية الراسخة والمفاهيم المتأصلة لدى الشعوب التي دخلت في الإسلام ظلت حيّة فاعلة وإن اتشحت بالرداء الإسلامي.
وزاد الطين بلة تطويع تلك الجماعات للمفاهيم المسلمة السمحة لخدمة أغراضها الذاتية ولضمان استمرار واقعها الاجتماعي المتميز. والمؤلف يطرح النمط الإسلامي تركيبة تتيح للتآلف والتكيف الدائم بين القدسي والجنسي، وتبرز من خلال هذا الطرح عدة تساؤلات يحاول المؤلف الإسهام في تجليتها.
لعلّ أهمها هو الذي يتعلق بالنموذج الإسلامي الأصيل: فهل تمّ وضع ذلك النموذج في محك التجربة الفعلية، أم أنه ظل حبيس الأطر النظمية؟ ثم هل يمكن تحقيق هذا النموذج المنضبط الرفيع، أم تراه يظل أملاً بعيداً يسعى المجتمع جاهداً إلى تحقيقه؟ هذا وإن إلقاء الضوء على مكانة الجنس في المجتمعات العربية المسلمة استدعى من المؤلف قيامه بعملية بحث ثقافية واسعة أقرب إلى المسح التاريخي، خاصة أنه يهدف من خلال البحث الدقيق إلى تقييم وظيفة الحياة الجنسية ومكانتها في المجتمعات القديمة والمعاصرة، وقد تتبع الأدلة بداية من القرآن الكريم وانتهاءً بأعمدة المجلات النسائية المفعمة بالحيرة والألم.
عبد الوهاب بوحديبة (1932-2020) أكاديمي وعالم إجتماع وعالم إسلاميات تونسي أستاذ بالجامعة التونسية و رئيس المجمع التونسي للعلوم و الآداب و الفون بيت الحكمة , و عضو المجمع الأوروبي للعلوم و الآداب و الفنون , و عضو مراسل لمجمعي القاهرة و دمشق للغة العربية . و قد أسدت إليه اليونسكو سنة 2004 جائزة الشارقة الدولية للثقافة العربية .
كتاب فلسفي تأليف عبدالوهاب بوحديبة وترجمة هالة العوري، ونشرته دار رياض الريس للكتب والنشر سنة 2001. يتناول الكتاب قضية الجنسانية من منظور إسلامي. يلقي المؤلف الضوء في هذا الكتاب على الرؤية المسلمة للعالم من خلال أحد وجوهها الرئيسية "علاقة الذكر/الأنثى". وقد ضمّن الكاتب محاولته تلك، مقارنة المفهوم الإسلامي الذي جسده رسول الاسلام محمد قولاً وفعلاً بما آل إليه هذا المفهوم على صعيد الحياة الواقعية، بحيث يبدو جلياً أن العادات الاجتماعية الراسخة والمفاهيم المتأصلة لدى الشعوب التي دخلت في الإسلام ظلت حيّة فاعلة وإن اتشحت بالرداء الإسلامي.
ويناقش تطويع بعض الجماعات للمفاهيم المسلمة لخدمة أغراضها الذاتية ولضمان استمرار واقعها الاجتماعي المتميز. ويطرح المؤلف النمط الإسلامي كتركيبة تتيح للتآلف والتكيف الدائم بين القدسي والجنسي، وتبرز من خلال هذا الطرح عدة تساؤلات يحاول المؤلف الإسهام في تجليتها. لعلّ أهمها هو الذي يتعلق بالنموذج الإسلامي الأصيل: فهل تمّ وضع ذلك النموذج في محك التجربة الفعلية، أم أنه ظل حبيس الأطر النظمية؟ ثم هل يمكن تحقيق هذا النموذج المنضبط، أم تراه يظل أملاً بعيداً يسعى المجتمع جاهداً إلى تحقيقه؟ هذا وإن إلقاء الضوء على مكانة الجنس في المجتمعات العربية المسلمة استدعى من المؤلف قيامه بعملية بحث ثقافية واسعة أقرب إلى المسح التاريخي، خاصة أنه يهدف من خلال البحث الدقيق إلى تقييم وظيفة الحياة الجنسية ومكانتها في المجتمعات القديمة والمعاصرة، وقد تتبع الأدلة بداية من القرآن وانتهاءً بأعمدة المجلات النسائية
إن أزمة الجنس في العلاقات الشخصية تعبر كما أزمة الإيمان ، عن تمزق في الحوار مع الله ، إن جسد المرأة كون مصغر يشهد بعظمة خلق الله ، وتفحص هذا الجسد قراءة في سفر هذا الكون ، و امتلاكه والسفر معه في بحور اللذة عيش مسبق في الجنان يستلزم للخروج من هذا المأزق ، إعادة إكتشاف معنى العلاقة الجنسية باي ثمن ، أو بتعبير أخر إكتشاف معنى الحوار مع الشريك ، معنى الإيمان ، بكلمة موجزة ، معنى الحوار مع الله ، إن اللقاء الأصيل مع الجنس الأخر ، والبحث عن سر حياة الأخر ، يمكننان الإنسان من إكتشاف معنى وجوده الذاتي ، كأن يقال عادة إن الجنس لا يخلق الحب ، ولكن الحب يكتشف الجنس ، فالمشكلة ليست في تحرير اللحم ولكن تحرير الروح التي تنعكس في اللحم
يخصص عبد الوهاب بوحديبة فصلا كاملا لكي يعري تناقضاتنا وعدم معرفتنا " كمسلمين " بتاريخنا ومدوناته ، فنجد أن مواضيع الجنس مقموعة بدعوى أنها محرمة ولا يجوز الحديث فيها ، بل جعلت للمارسة في السر ، في الظلام ، بمعنى تكون فيه العلاقة الجنسية مدنسة يجب الانتهاء منها سريعا فهدفها الوحيد الإنجاب ، و لو لا هذا البعد التناسلي الذي تحمله لما مورست ، غريب ما نعيشه اليوم وما سيعرضه ألان الكاتب إذ يكتب : تتدفق الرسائل المتعلقة بالشهوة معبرة عن الحاجة الماسة للاثارة في ذالك الجو المشبع بالتخمة والبذخ ، يمتد الادب الجنسي الى فترة تربو على الالف عام منذ الجاحظ ( مفاخرة الجواري والغلمان ) ( العرس والاعراس ) إلى حسن خان . ومع الأسف لم يبق من هذا التراث سوى القليل ، أكثر هذه الكتب شهرة وأوسعها انتشارا " رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه " لاحمد بن سليمان المعروف بابن كمال الباشا ، الذي صنفه بناءا على طلب السلطان سليم خان مضمنا إياه مقتطف من أعمال سابقة ، يؤكد المؤلف حسن نيته في تصنيف هذا الكتاب بقوله : " ولم أقصد به إعانة المتمتع الذي يرتكب المعاصي بل قصدت إعانة من قصرت شهوته من بلوغ أمنيته في الحلال " . أما كتاب محمد المغربي التيجاني " تحفة العروس و روضة النفوس " يخص في فصله الثالث عشر بالجماع في غير الفرج ويعرض نماذج سلوكية تبدو غير متوقعة في المجتمعات العربية ، كما لم يتخلف الامام جلال الدين السيوطي عن الركب " الوشاح في معرفة النكاح " و " معقد المحبة بين المحب و من أحب " و " نواظر الأيك في معرفة النيك " و " الإيضاح في علم النكاح " ، من المؤكد أن كتاب " الروض العاطر في نزهة الخاطر " للشيخ النفزاوي الذي ألفه في القرن 16 لاحد حكام تونس ، يطرح نموذجا شعبيا للادب الجنسي ، ووفقا لمصادفة تسترعي الانتباه ، كان على الشيخ النفزاوي إنقاذ رأسه مثله في ذالك مثل شهرزاد ، فقطع للباي وعدا بكتابة " الروض العاطر " مقابل حياته وشرع من فوره حسبما تقول الرواية في كتابة رسالته بهدف إيقاظ الرغبة المتخمة للباي ، ولم يختلف روضه عن " ألف ليلة وليلة " حيث وجد أن منفذه الوحيد يكمن في طرح أسرار الجنس والشهوة لإعادة البهجة إلى الحياة
و لا يكتفي بوحديبة بنماذج الفقهاء و الادباء في تناولهم لموضوع الجنس ، بل ها هو يوظف النموذج المثالي للمسليمن " الرسول محمد صلى الله عليه وسلم " إذ يتحدث الأخير عن الإثارة الجنسية فيضرب المثال بنفسه حين حث أصحابه على النكاح وإحترام البدن والعناية بالمداعبة ، إن الجمال نعمة كبرى من الله ، على المرء ان يعرف جيدا كيف يتذوقه مستعينا في ذالك بالفن ، الذي يضفي عليه مزيدا من البهاء ويحرر المتع ويصقلها ، لذلك فعلى المسلم الصالح ان يعين أبناء جلدته على وعي هذه المسارات وادراكها فضلا على نشر اساليبها حتى لا تصاب الجماعة المسلمة بالحزن والكأبة . فعلى المرء حتى يصبح مسلما أن يفتح عقله ليعرف أن مشيئة الله تتجلى عبر الجمال وليس عبر القبح وبواسطة المتعة وليس عبر الحزن والندم . إن الإسلام من جانبه يقدم إستمرارية مدهشة من الحياة إلى الدنيا إلى الحياة الأخرة عبر رؤية كلية غنية بأدق التفصيلات ، بحيث يجعلها عقيدة صحيحة ثابتة . في حين نجد القديس متى في الجانب المسيحي يطرح لب الرؤية الانجيلية لحياة الانسان القادمة مختزلا إياها في سر مبهم غامض ، بعبارة أخرى إن المسيحي يكون في الفردوس غير جنسي ، على حين ينعم المسلم في المقابل باللذة المطلقة " يكون على الرجل في الجنة سبعون حلة ، كل حلة تتلون في كل ساعة سبعون لونا .. يرى وجه زوجته وترى وجهها في وجه زوجها ، ويزداد أهل الجنة كل يوم جمالا وحسنا ... ويعطى الرجل قوة في الاكل والشرب والجماع ، فيجامععها كما يجامع أهله في الدنيا ولكن النشوة تدوم أربعة وعشرين عاما ، وتبعا للسيوطي ، فالعبد المؤمن يتزوج سبعين حوراء ، إلى جانب زوجاته الادميات ، يرى مخها ساقها من وراءها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء . فكلما أتى الى واحدة وجدها بكرا وله ذكر لا ينثني ، وله في كل دفعة شهوة ولذة لو وجدها أهل الدنيا لغشي عليهم من شدة حلاوتها " .
اختم مراجعتي بالقول القرأني : قلْ هلْ يسْتوي الذين يعْلمون والذين لا يعْلمون
عند وضعه قواعد المنهج السوسيولوجي، إعتبر دوركهايم أن للأفعال الإجتماعية خاصيتان رئيسيتان: كونها قسرية وخارجية على الأفراد. الفصل الأول كان ذاتياً وفيه بعض الأخطاء المنهجية، وأظن أن الترجمة لم تفده. لكن باقي الكتاب ممتع وعميق التحليل ويطرح العديد من النقاط الهامة على مر التاريخ، من تشكيل الجارية لصورة الزوجة في العصر الأموي وما يليه، إلى مؤسسة الدعارة في المجال الحضري الحديث.