لم يكن سقراط عالماً أو فيلسوفاً بالمعنى الكامل ، أكثر من هذا فإن شخصية "سقراط" التي يعرفها الجميع من خلال محاورات أفلاطون مثار لشكوك الكثيرين ، حيث يعتبرونها مجرد شخصية أدبية إبتدعها أفلاطون تعبيراً عن حبه وإعجابه بأستاذه .
الأكيد أيضاً أن سقراط لم يترك أعمالاً مكتوبة، كما أنه لم يدع يوماً أنه يمتلك اي معرفة . وعندما بشَّروه بقول كاهنة ديفي " أن سقراط هو أكثر أهل أثينا حكمة " أجاب بأنه لا يفهم كيف يكون ذلك ، قال : { لابد أن يكون الإله قد إتخذ من إسمي مثالاً .. وليس من شك في أن الكاهنة تعني أن الرجل يكون حكيماً عندما يجهل نفسه }
كان سقراط في بحث دائم عن " المعرفة المجردة للخير " أي ما الذي يجعل نفس الفعل خيِّراً حيناً وشرَّاً أحياناً أخرى، ولا يكفي المرء أن يعتقد أنه يفعل الخير (كانت مهمة سقراط أن يثبت للأخرين خطأ إعتقادهم في فعل الخير) ، لا يكفي أن يفعل الإنسان ما يعتقده الأخرين خيراً ، بل عليه أن يسعى للبحث عن ( معرفة الخير ) .. ومعرفة الخير هي الفضيلة الوحيدة المكتسبة والتي التي يمكن أن يتصف بها أي شخص .
هكذا تسائل سقراط حول ما إذا كان الشئ يكون حقاً لأن الألهة قد أمرت به ، أم أن الألهة قد أمرت به لأنه الحق .
لطالما شبّه سقراط منهجه في المعرفة بأمه والتي كانت تعمل في توليد النساء ، كانت أمه تقول : { في الواقع أنا لا أفعل شيئاً على الإطلاق ، وإنما أكتفي بأن أعين الطفل على الإنطلاق } .. لم يكن سقراط يُعلم تلاميذه الخير ، لكنه كان يوقظهم من الغفلة ويخرجهم من الوهم ، ويجعلهم يبحثون بأنفسهم وفي أنفسهم عن معرفة الخير . وفي سنواته الأخيرة آمن سقراط بأنه مُحمَّل من الألهة برسالة ؛ ألا يقتصر بحثه عن الخير في ذاته ، بل يجب أن يعلم الآخرين لكي يبحثوا عنه بأنفسهم .
وغني عن القول بأن الإدراك الكامل للخير المجرد أمر مستحيل للإنسان في جميع المجالات .. لكن يكفي أن يحيا المرء باحثاً عن معرفة الخير ، وأن يموت في سبيل ما يعتقده خيراً .
ترجع شهرة سقراط في التاريخ لمحاورات أفلاطون بالأساس ، وقد أجمع المؤرخون أنه لا يمكن على وجه الدقة تحديد إلى أي مدى تشبه شخصية سقراط في المحاورات سقراط نفسه ، وإلى أي حد ساهم أفلاطون في إختراعها .. خصوصاً ان شخصية سقراط لدى تلميذه الأخر "زينفون" أو في المسرحيات الهزلية لـ "أرسطوفان" تختلف تماماً عن سقراط أفلاطون .
لكن الأمر الأكثر أهمية في شهرة سقراط هو موقفه من المحاكمة وشجاعته في مواجهة الموت ، يروق للكثيرين أن يضربوا به المثل كشهيد لحرية الفكر .. رفض سقراط أن يستعطف المحكمة أو ان ينافق القضاة من الـ 500 ، دافع عما إعتقده وعن حياته التي قضاها في تعليم شباب أثينا الخير والحق ، وهتف قائلاً للقضاة " خير لكم ان تستبقوني ، فلن يتيسر لكم أن تجدوا رجلاً مثلي " .. كان إعدام سقراط وصمة عار في تاريخ أثينا المجيد .
كان نظام القضاء في أثينا يسمح للمتهم أن يتفادى عقوبة الموت إذا ما إقترح عقوبة أخرى بنفسه ، وهذا يتطلب أن يعترف بالذنب ، أبى سقراط ذلك ، ورفض طلب عقوبة النفي ، قال : { إن كنت لا استطيع أن أقول الحق في مدينتي أثينا ، فكيف يسمحون لي بقوله في أي مكان آخر ؟ وأنا لا استطيع أن ألزم الصمت لأن الله قد أمرني بالكلام ، وإن كنت أعلم أنكم لا تؤمنون بذلك . وإن قلت أن الواقع أن أعظم خير يصيب الإنسان هو ان يتحدث كل يوم عن الخير ، وعن الأمور الأخرى التي سمعتوني أناقشها ، باحثاً في نفسي وفي غيري . لو قلت لكم أن الحياة التي لم تقوم على البحث لا تستحق أن يعيشها إنسان . لو قلت ذلك لكان إيمانكم به أقل ، لكن الحق أقول لكم }
حكم على سقراط بالموت عقوبة له على إحتقار الألهة وإفساد عقول الشباب ، كان بإمكان سقراط أن يتفادى الموت أكثر من مرة ، لكنه وقت المحكمة كان قد بلغ السبعين من العمر ، ولم يكن مستعداً للتنازل عن أفكاره أو التخلي عما علمه لتلاميذه في مقابل عدة أعوام أخرى .. وعلى كل حال لم يكن سقراط ليجد نهاية أفضل من تلك يقضي بها نحبه !
الأمر الأكيد أن سنوات سقراط الأخيرة وشجاعته عند الموت هي ما غيّر إتجاه أفلاطون من الاهتمام بالعمل السياسي في مدينته إلى الاهتمام بالفلسفة ، وإن كان من فضل أداه سقراط للبشرية فإنه ذلك كونه أستاذا خرج من عبائته أفلاطون ، ذلك الذي علم البشرية كلها إلى اليوم .
بالعودة للكتاب فهو متواضع ، سيرة أدبية لسقراط مستوحاه من المحاورات .. الافضل أن تتجه للمحاورات مباشرة !!
والترجمة سيئة ، والكتاب مقتضب للغاية وخال من الفلسفة .. لكنه يصلح كبداية لمن يريد أن يعرف شيئاً عن سقراط