الديوان الأول للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي , صدر عن دار العودة ببروت عام 1972 , وتم إعادة طبعه ونشره في نسخة الأعمال الكاملة الصادرة عن دار الشروق عام 2013
Mourid Barghouti is a Palestinian poet and writer. He has published 12 books of poetry, the last of which is Muntasaf al-Lail (Midnight). His Collected Works came out in Beirut in 1997. In 2000 he was awarded the Palestine Award for Poetry. His autobiographical narrative Ra'ytu Ramallah (I Saw Ramallah), won the Naguib Mahfouz Award for Literature (1997) and was translated into several languages. He lives in Cairo.
الـشـتـاء والـشـمـس: عاد للقرية ثلجيَّ الرداء وترامى يطرقُ الأبوابَ في بردْ الظهيرة: "أنا ما زلت أنا" يومها عادت عيون القرية الخضراء تحكي بين كل الأغنيات عن أغانيها العتيقة لملمتْ كلُّ الرموشِ السود لونَ الذكرياتْ، قطعةً حمراء من شمس الظهيرة وأطلَّتْ بين أحداق الرجال أشمسٌ أخرى وأقمارٌ صغيرة، عندما عاد إلى قريتنا ذلك الشتاء!
الـتـغـيّـر: "أنا ما زلت أنا" ملء عينيك التي تحمل سطرًا من حِوارْ ملء آذان الصغار يزرعون الليل نجماتٍ وكِذْبًا كالنهارْ "أنا ما زلت أنا" أيُّ شيء في حناياكَ تغيَّرْ؟ فيكَ أنتْ؟ أي شرخ بين جنبيكَ ينادي الانهيارْ؟ لِمَ تغفو فوق هامات الرجال أشمسٌ أخرى وأقمار صغيرة وسط أمطار الشتاء؟ وهو إن عاد إلينا، هاتفًا في مسمعينا: "أنا ما زلت أنا" كل شيء يتغيّر. لِمَ تصلينا الظهيرة كلما عاد الشتاء
الـشـيء الـمـخـفـيُّ الآخـر: ذات يوم أمسكَتْ أيدي الصغارْ غيمةً كانت على وجه القمر داعبوها، لاعبوها، أتعبوها فضحوا وجْهَ القمر بكت الغيمةُ من حزنٍ عليهِ أصبح الكون بحيراتِ دموعٍ أغرقت لونَ الفرح ساحر الليل انفضَحْ!
فلماذا يا قمر كنت حلوًا.. ذاتَ يومْ؟
الـحـزن: أعين القرية نامت وسط دمعات الثلوج في انحناءات الطريق رأسُها مال على الجنب كقدّيسٍ عتيقْ وعلى الجبهة إكليلُ عذابٍ لا يزول لن يزول طالما الرأسُ على الجنب كقديسٍ عتيق هذه القرية جوعٌ وولوع، واشتياق لابتسامه ربما نبسم يومًا ذات يومْ!
الـرؤيـا: "أنا ما زلت أنا" ملء عينيك التي تحمل سطرًا من حوار والقمر.. آهِ لو آن القمر كان حلوًا حين عرّاه الصغار المتعبون ذات يوم!
تعد مجموعة "الطوفان وإعادة التكوين" الوثيقة الجمالية الأشد قسوة وبراعة في رصد ملامح "الإنسان الفلسطيني" وهو يحاول الانبعاث من رماد الهزيمة؛ فهي ليست مجرد قصائد، بل هي بيان وجودي يعيد صياغة الهوية في لحظة انكسار كبرى، مستهلاً رحلته بيقين شعبي حاد: "لو كانت عكا خايفة من هدير البحر ما وقفتشْ ع الشط".
في هذا الديوان، يبتكر مريد البرغوثي "الزمن الفلسطيني" الخاص، ذلك الزمن الذي يشبه جنيناً لا يكتمل، يولد ثم يرتد إلى "الرحم الممزق" سبع وثماني وتسع مرات في انتظار ولادة ناجزة لا غبار عليها، في صورة مذهلة تختصر تعثر الثورة وإصرارها على البدء من جديد مهما كلف الأمر.
ينتقل الديوان في فقرته الثانية إلى تشريح "الفلسطينيين" كبشر من لحم ودم، لا كشعارات جامدة؛ فمريد هنا هو "السيف المكسور الملقى على الطين"، الذي يعلن بمرارة نبيلة: "إني اليوم مهزومٌ ولكني فلسطيني".
وفي هذه المواجهة، يشن الشاعر هجوماً ضارياً على "كبار القوم" الذين خذلوا البلاد، معتبراً أن هاماتهم لا تصلح أن تكون نعالاً لمن يقبلون جراح الوطن الحقيقية. وتبرز في هذا المناق "ميجانا" مريد، حيث يتداخل صوت الغناء الشعبي الذي يمجّد الأرض والحب مع هطول الرصاص الصاخب، لتنكشف الفجوة بين صدق الوجع الشعبي وزيف "الناطق الرسمي" الذي يدبج الخطابات بينما تموت السنابل في أيدي الفلاحين المحترقة.
أما الذروة الفلسفية للديوان، فتتجلى في محاولة "إعادة التكوين" وسط الطوفان الشامل؛ فالموت هنا ليس نهاية، بل هو "نصف الطريق" الذي يذهب إليه الإنسان ليحمي "البيت والطفل القادم".
يفكك مريد أسطورة الشهيد في قصيدة "موت وراء النهر"، ليعيده إلى إنسانيته الأولى؛ ذلك الرجل الذي كان يخشى الموت كأي بشر، لكنه مضى إليه ليمنح الحياة معنى.
وينتهي الديوان برؤية ثورية صلبة ترفض الاستسلام للماضي، معلنةً بلسان من اختاروا أسماءهم بملء إرادتهم: "نقول للأيام ما كان لم يكن، وما نريده يكون!". إنه ديوان الصمود الذي يجعل من الجرح "إعادة تكوين" ومن الهزيمة نقطة انطلاق نحو مستقبل يُصنع بالدم والكلمات.