ما الذي يتبقى كلَّ ليلة من الليل؟ هل هو ليل آخَر؟ أم هي إشراقاتٌ ولمعاتُ خاطِر كالتي يُتْحِفُنَا بها «عبد العزيز بركة ساكن» في هذا الكتاب؟ حكاياتٌ وحواراتٌ مع الذات ومع الآخر، يقدِّمها لنا كاتبٌ يرى في كلِّ إنسان حكايةً وفي كلِّ نفسٍ تتنفس أسطورة، ويرى أن الأدب نقلٌ للصورة والصوت والزمن من إطار العاديَّة والخُفُوت إلى إطار التجلِّي والإبهار، فالأديب البارع يوظِّف مفرداته اللغوية، وخبراته الحياتية، وعناصر مُحِيطِه بما فيه من كائنات وجمادات، ليصنع — بِوَعْيٍ أو بغير وَعْيٍ — نصوصه الفنية، حاملةً نكهته الخاصة، ومُنْفَتِحَةً على قراءات مختلفة، تتعدَّد بتعدُّد القراء، ويتكشَّف فيها لكلٍّ منهم جمالياتٌ مغايرة. وممَّا يميِّز هذا الكتاب أنه نشاطٌ كتابيٌّ مستمرٌّ لمؤلِّفه، فهو يحدِّثه دوريًّا
Abdelaziz Baraka Sakin / عبد العزيز بركة ساكن (Arabic listing) is one of the most prominent writers from Sudan today. He was born in Kassala, eastern Sudan, in 1963 and lived in Khashm el-Girba until he was forced into exile abroad by the Islamist regime in Khartoum. Although most of his works are banned in his home country his books are secretly traded and circulated online among Sudanese readers of all generations.
ما لديَّ سوى ذهب مغشوش بالرماد يسميه العاشقون الصدق، وأسميه: أمل … ما لدي سوى ما يتبقى كل ليلة من الليل يتجنبه السكارى في نباح الكلاب وحذر القطط. ما لديَّ هذا المطر الذي يأتي من النهر خلف كوخي بين شارع المدرسة ومنازل بائعي النيفة الباردة، على الريح. لديك القليل الذي يُدْرِك ما لم يدركه الكثير الكثير، مثل شرارة الجمر التي سرقها برومثيوس. لديك هذا الحلم، سوف تقتسم نصف الرغيف ونصف الأغنية ونصف الرغبة، والنصف الآخر الذي يخصالبحر وحده نُهْديه إلى جنيات الماء العذراوات.
صوت شاعري مُكثّف مُتناغم خاص على المستوى السردي، مشحون بالسرعة، "شاهدته تحت كومة أشيائه الكثيرة"..
"سوف لا يدق الجرس الإلكتروني اليوم، سوف لا يدق"... بمزيد من الوعي والانتظار والرهبة يُسيّرُك الكاتب، لكأن اللغة غير اللغة "أشم بأنفي الأصوات ..." ينساب السرد مسكوناً بالشعر، "أنا أكتبُ نثراً بأدوات الشعر" - بركة. الآن ... ما الذي يتبقى كل ليلة من الليل؟ الليل، الجسد، أم الحس الصوفي؟ ما يتبقى كل ليلة من الليل شاعر عجوز ينام وحده على قهقهة المروحة العجوز.
ما يتبقي كل ليلة من الليل عبد العزيز بركة ساكن .............................. لا أعرف هل هذه مقالات أم قصص أم شعرا؟ فالكاتب يكتب بأسلوب لغوي مكثف لا يمكن وصفه بعيدا عما يوصف به الشعر، كذلك فيه شيء من رائحة القصص وفنياتها حتي أن الكاتب نفسه يقول: "أنا لا أكتب شعر. بل أكتب نثرا بأدوات الشعر، أو أكتب شعرا بألوية النثر، أو أني أتحرر من قيد الاثنين الذهبي معا". اقرأ مثلا هذه الفقرة، وقل هل هذا نثر أم شعر، يقول الكاتب: " كالصوت أقبلها وألثم غفلتها وأنبهها علي كفي، علي صدري، علي شجري، علي الدنيا... علي كرسيك أقرأها ضلالاتي وأفسدها وأفسدني، وأبني في صباحاتي لها ظلا بئيسا، قصير العمر لا يغني ولا يفني". هذه الفقرة لو قام الكاتب بتقطيعها في سطور متباعدة لكل جملة سطرها الخاص كما يفعل الشعراء ونشرها كقصيدة شعر ما اعترض عليها أفحل الشعراء. أطلق الكاتب علي مؤلفه اسم (ما يتبقي كل ليلية من الليل)، يقول في كتابه: " ما لدي سوي ذهب مغشوش بالرماد يسميه العاشقون الصدق، وأسميه: أمل ... ما لدي سوي ما يتبقي كل ليلة من الليل يتجنبه السكاري في نباح الكلاب وحذر القطط". للكاتب جمل تحمل معاني كثيفة، وأقصد بكلمة كثيفة هنا أنها يمكن شرحها في صفحات أو علي الأقل فقرات، وهذه الجمل تعتبر من روائع الحكمة والبلاغة، منها مثلا: ................... كل ما تعلمه الجندي في حياته تحصده طلقة واحدة. ................. حبيبتي، لا يلام الجسد عندما يفعل عمل الجسد، ولا تلام الروح إذ تعشق، من يستغرب ريح إذا هبت؟! .............. كل الطرق التي تبدأ من قلبي تنتهي إلي الله. ............ واشوقاه لأحزاني التي لم تأت بعد! أين يا تري تنتظرني؟ في دهاليز أية زهرة، في أزقة أي قلب يا تري؟! ........................ قلت لها: ما أقرب الطرق إلي قلبك؟ قالت: قلبي. ............... لست وحدي معي الحزن. ............ أن تنتظر امرأة ولا تأتي أبدا، خير من أن تنام وحدك؛ لأن انتظارها هو أيضا حضور. ............. لست وحدي في سجنكم، أنا سجانكم، وحوائط المبني القديمة المصنوعة من خوفكم. ............ لجدي أمنية واحدة، أن يظل حيا للأبد، وعندما تحققت أمنيته، مات... .............. كتاب مميز لكنه ربما يصعب علي البعض هضمه.
مايتبقى كل ليلة من الليل.. نصوص لا اريد ان اصنفها في لون معين ولاتحتمل وصفا محدد كل ما في الأمر أن بركة ساكن يعرف كيف يرقص مع اللغة والكلمات بما يتطلبه إيقاع الفكرة والزمان ومايختلج في الدواخل..