أعتز كثيراً بتلك الكتب التي تصادفني دون ترتيب مسبق، كنت في فرع الهيئة المصرية العامة للكتاب في معرض الإسكندرية للكتاب، وكنت قد اشتريت كتابين فقط، فنبهني المحصل وهو ينظر إلى غنيمتي المتواضعة أن هناك خصم يصل إلى 20% ، وهكذا وجدتني أعود في جولة تفقدية أخرى لأظفر بهذا الكتاب الذي لم أكن أعرفه حتى ذلك الحين.
الكتاب عبارة عن رسالة دكتوراة للكاتب تناولت بدايات الحرب الباردة (1945 - 1953)، وكانت الحرب الباردة بين بدايتها ونهايتها (1945 -1991) قد أخذت بضع مراحل عدها المؤرخون ستاً، كانت تتباين باختلاف رؤية كل إدارة أمريكية وفقاً لما يستجد من متغيرات، هنا اهتم الكاتب بالمرحلة المبكرة للحرب الباردة التي تزامنت مع صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى. أعتقد أن أهمية هذه المرحلة تكمن في كم الأحداث المتلاحقة والقرارات التي تم اتخاذها وكانت سبباً في تشكيل مستقبل الدول بل وامتد أثرها إلى يومنا هذا، كاعتراف ترومان بالدولة اليهودية بعد 11 دقيقة فقط من إعلانها، تدشين مشروع مارشال لإنعاش الإقتصاد الأوروبي بعد الحرب ليكون نواة للسوق الأوروبية الإقتصادية المشتركة فيما بعد، "مبدأ ترومان" الذي مهد لبسط النفوذ الأمريكي على دول بعينها، وغير ذلك الكثير.
أفضل ما في الكتاب هو تنظيمه، فعلى الرغم من أن الكتاب يتناول المرحلة المبكرة من الحرب الباردة والتي تزامنت مع إدارة الرئيس الأمريكي ترومان، إلا أنه بدأ بحقبة سلفه روزفلت، لأن كثير من الخيوط كانت بيده، ولأن ترومان في بداية حكمه عند اتخاذ قرار كان يفكر: "ماذا كان روزفلت سيفعل؟"، لهذا الحد كان روزفلت حاضراً في ذهن ترومان الذي كان الكل يقارن بينه وبين سلفه القوي، وكان الفارق واضحا في كواليس صناعة القرار لدى اﻹدارتين.
ترومان 1945 - 1953
روزفلت 1933 - 1945 جاءت فصول الكتاب كما يلي 1. إدارة روزفلت ودورها في النهوض بأمريكا بعد الكساد الكبير في الثلاثينيات 2. مرحلة تحول الأمريكيين من روزفلت إلى ترومان 3. بداية الحرب الباردة وقرارت إدارة ترومان تجاه أوروبا 4. إدارة ترومان ودول الشرق الأقصى والشرق الأوسط -- أعتقد أنه لم يتناول هذا الفصل بالتفصيل الكافي.
أما ما جعل الكتاب شيقاً أنه بالإضافة إلى رصد الأحداث والقرارات كان يقوم بذكر تفاصيل دقيقة عن حياة اللاعبين في هذا المشهد، روزفلت القوي الذي أعاد الإطمئنان لمواطنيه عقب الكساد الكبير فكوفئ بالترشح للرئاسة لأربع مرات، فاز بها جميعاً في سابقة هي الوحيدة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ترومان قليل الخبرة الذي لم يكن يعرف أن ملك إيران يلقب بالشاه، جاء رئيساً بالصدفة بعد وفاة روزفلت المفاجئة في بداية ولايته الرابعة لأنه كان نائباً له، تشرشل الداهية واصطكاكه للعبارة الشهيرة: الستار الحديدي ومحاولاته لتوريط ترومان مع ستالين.
انطباعي أنها لغة المصالح .. التي إذا سادت تسيطر على كل شيء، فمن بين ما استوقفني أن من أسباب قرار ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على نجازاكي وهيروشيما أنها ستعطي لأمريكا الحق في ألا يشاركها أحد النصر على اليابان، لأنها ستنهي الحرب قبل تدخل الروس الوشيك، وستعطي الأمريكان وضعاً أقوى في المفاوضات، وهكذا لهذا السبب الوجيه جداً كما ترى، تم حصد حياة الملايين وتشوهت الأجنة لأجيال متعاقبة
كتاب واف جداً لهذه الفترة من التاريخ، والمراجع التي اعتمدها تنوعت بين أوراق بحثية وكتب ومقالات وخطب، ستنتهي منه وقد وضعت على قائمتك الكثير من الكتب
كتاب أكثر من رائع ويعتبر امتداد لكتاب المؤلف الأسبق عن أمريكا في فترة الكساد الكبير.ورغم أن الكتاب أطروحة علمية للحصول على درجة الدكتوراه وهذا يظهر من كم المراجع والمصادر الكبير إلا أن لغته رشيقة ممتعة.ويتعرض الكتاب بالتفصيل لحالة أمريكا خلال سنوات الحرب الأولى وتفاهمات يالتا والصراع بين الحلفاء بعد انتهاء الحرب وموقف الولايات المتحدة تجاه الشرق الأقصى والأوسط